همس الحروف .. حين مدت الدوحة يدها .. حكاية النخلة والسنبلة بقلم د. الباقر عبد القيوم

في أقصى شرق القارة السمراء ، وفي قلب مدينة منكوبة تتنفس الصعداء رغم الجراحات و الآهات و القصص التي تحمل في طياتها الألم و الحزن ، وقفت (آمنة السمراء) ، وهي امرأة سودانية في الأربعين من عمرها ، تنهمر دموعها على خديها ، و تحمل على كتفيها معاناة وطن ، وتحتضن بيديها الصغيرتين طفلة مريضة تبحث لها عن دواء ، وعن مقعد أيضاً لها في مدرسة لم تقصف بعد ، وهي تبحث عن الآمان الذي ضاع بسبب مليشيا أعماها الطمع فسرقت الوطن من الجميع ، و شردت شعبه على إمتداد العالم و أفقرته .لم تكن (آمنة) السودانية تدري أن الأمل سيأتي من بعيد … من أرض تحفظ في ذاكرتها رائحة الخليج ، و تأتي من وطن إشتهر بالعطاء كما تشتهر النخلة بالتمر .في خضم هذه المعاناة ، حطّت طائرة بلون الفرح في مطار بورتسودان ، تقل أمرأة عبارة عن شعلة متوهجة بحب الخير للغير ، اختارت أن تكون صوت التضامن لا صدى الدبلوماسية ، إنها مريم بنت علي بن ناصر المسند ، وزيرة الدولة للتعاون الدولي بدولة قطر الشقيقة ، لم تكن زيارتها مجرد زيارة رسمية ، كأخرى تدون في الأخبار و تتناقلها الصحف ، بل كانت كما المطر في زمن الجدب ، تحمل في طياتها الحب و دفء الأخوة المتجذرة في القلوب ، و هي ككرم الأرض التي اعتادت أن تعطي دون انتظار مقابل .(بتضامننا نتجاوز المحن) قالتها الوزيرة ، وهي تضع يدها في يد الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان ، معلنة تخصيص عشرة ملايين دولار لدعم النساء ، و الفتيات المتضررات من الحرب ، لم تكن تلك الأرقام مجرد بيانات تسجل في أضابير الدفاتر و الأوراق ، بل كانت عبارة شريان نابض بالحياة ، و يحمل الأمل لأمثال (آمنة) ، و لأجيال يحلمون بالتعليم والصحة والأمان .دولة قطر لم تبدأ عطاؤها هنا في هذه النقطة فقط ، و لم تختمه هناك بهذا الموقف . فمنذ سنوات كانت و ستكون ، حيث ظلت الدوحة تمد يدها للسودان كلما إحتدم الجفاف ، أو زأرت الحروب ، و لكنها هذه المرة ، إختارت أن توجه بوصلة عطائها نحو المرأة السودانية ، لأنها تدرك أن المرأة في السودان ليست نصف المجتمع ، بل هي عموده الفقري الذي لا و لن ينكسر ، و كما هي ماؤه حين يعطش ليرتوي منها ، وغيمه ممطرة حين تحترق الأرض بالجفاف ، و بارقة الأمل للمساكين .أعلنتها الوزيرة مدوية ، و أفصحت عن دعم عاجل لقطاعي الصحة و التعليم ، و بشرتهم بسيارات إسعاف ستشق طرقات وعرة لتنقذ الأرواح و تطمئن الغبش بأن هنالك من يتذكرهم في هذه الظروف ، و أجهزة لغسيل كلى ستنقذ ما تبقى من جسد ضعيف ، حينما بدأت الخيانة من أجل السلطة و كذلك كانت خيانة الجسد ، و ايضاً أدوية حيوية تمنح الحياة من جديد و تصرف لمحتاجيها بدون رسوم .وحدها (آمنة السمراء) ، تعرف معنى هذا الدعم السخي ، و وحدها تلك الطفلة التي جلست تحت ظل شجرة تنتظر درساً في مدرسة مهدمة ، تعرف أن امرأة من قطر جاءت و وفدها المرافق لأجلها ، لا من أجل البروتوكول ، بل من أجل الفقراء ، والنساء الكادحات، والأرامل والثكالى و المحتاجين ، فالآن هم يعرفون أن التضامن ليس شعاراً ، و لا أقوال ، بل هو أفعال ، و أن في دوحة الخير و العطاء نخلة لا تثمر إلا خيراً ، وسنبلة لا تنحني إلا لتطعم جائعاً دون ان يطلب منها .و لقد غادرت مريم المسند الوزيرة ، العزيزة و الفاضلة ، لكن كلماتها ما زالت ترن في جميع آذاننا ، و قد حفظتها قلوبنا قبل ذواكر عقولنا ، ثلاثة كلمات فقط ، و لكنها كانت في عمقها بمثابة ما حوته مكتبة ضخمة بها آلاف الكتب من أمهاته ، حين قالت : (بتضامننا نتجاوز المحن) ، نعم لقد صدقت ، لأن التضامن ليس فقط بين الحكومات ، بل بين القلوب ، و بين امرأة في الخليج ، وأخرى في السودان ، وبين نخلة عانقت السماء في الدوحة و سنبلة إنحنت لتطعم جائع في السودان .. إنها الرحمة . و الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل

التعليقات مغلقة.