وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي يكتب التحول من الأمن إلى التنمية..
فيما يخص الاستقرار في ولاية الخرطوم دعونا نفتتح المقال بسؤال مهم.. هل نستطيع الانتقال من منطق السيطرة إلى أفق التنمية؟ ذلك أن المدن الخارجة من النزاعات كثيرًا ما تقع في فخ الاطمئنان إلى الاستقرار الأمني المتمكن ، بينما يتأخر الاستقرار المستدام الذي تصنعه التنمية الحضرية.
لقد كان الأمن في لحظة الحرب، ضرورة وجودية لا جدال حولها. غير أن استمرار عقلية الطوارئ بعد انحسار المعارك يحمل مخاطره الخاصة. فالعاصمة التي تُدار بعين أمنية خالصة، قد تنجح في خفض معدلات الجريمة، لكنها تبقى عرضة لهشاشة كامنة إذا لم يترافق ذلك مع إعادة تشغيل الاقتصاد الحضري واستعادة الخدمات وبناء الثقة لدي المواطن.
ومن هنا فإن التحول المطلوب ليس إزاحة الأمن أو الركون إليه، بل إعادة ترتيبه داخل معادلة أوسع تقودها التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، تكشف تجربة الاسبوع الماضي في محلية كرري عن أحد أوجه الهشاشة البنيوية في إدارة الخدمات الحضرية. فقد شهدت قطوعات متزامنة في الكهرباء والمياه نتيجة الارتباط المباشر بين تشغيل محطة المنارة واستقرار الإمداد الكهربائي. هذه الحلقة المغلقة تعني عمليًا أن أي خلل في قطاع الطاقة يتحول فورًا إلى أزمة مياه تمس الحياة اليومية للمواطنين، وهو نمط قديم بائس لا ينسجم مع متطلبات مرحلة التعافي.
إن فك هذا الارتباط بات ضرورة تنموية وسياسية. فإدخال منظومة طاقة شمسية مساندة لمحطة المنارة، أو توفير مولدات احتياطية ذات قدرة عالية، أو اعتماد نموذج تشغيلي هجين يجمع بين الشبكة القومية والطاقة البديلة، كلها خيارات عملية من شأنها توفير حد أدنى من الاستمرارية، وتحويل إدارة الخدمة من منطق الأزمة إلى منطق الاستقرار والتعافي.
ولا تقف آثار القطوعات عند حدود المياه والخدمات، بل تمتد إلى قطاع المخابز، حيث أصبح انقطاع الكهرباء والمياه مرتبطًا مباشرة بتوقف إنتاج الخبز وعودة طوابير المواطنين إلى الواجهة. هذه المتلازمة تكشف أن الأمن الخدمي في العاصمة ما يزال هشًا، وأن سلاسل الإمداد بين القطاعات الحيوية تعمل بطريقة تقليدية متداخلة بلا صمامات أمان كافية.
فالمخابز تعتبر، حلقة حساسة في منظومة الاستقرار الاجتماعي والأمني. وعندما تتوقف بسبب خلل في الكهرباء أو المياه أو الغاز، فإن الأثر يتجاوز الخبز إلى المزاج العام وثقة المواطن في قدرة الدولة على إدارة منظومة الخدمات خلال الحياة اليومية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى انتقال تنظيمي وقائي ومحكم، لا يكتفي برد الفعل بعد تشكل الطوابير وتتداعي الأزمات.
لذلك من المهم أن تُراجع السلطات المختصة شروط الترخيص والتصديق للمخابز، بحيث يُشترط، توفير حد أدنى من البنية الاحتياطية، يشمل خزانات مياه كافية ومنظومة طاقة بديلة (شمسية أو مولدات) تضمن استمرارية التشغيل أثناء الطوارئ. مثل هذا التوجه يحمي الاستقرار التشغيلي، وفي الوقت نفسه يخفف الضغط عن الدولة في أوقات الأزمات.
كذلك ظهرت أزمة غاز الطبخ مؤخرًا لتضيف بعدا جديدًا من الضغوط المعيشية علي المواطن. فاضطراب الإمدادات يكشف عن هشاشة إدارة منظومة التوريد و النقل والتوزيع، وضعف آليات الرقابة الإدارية، ويترك الأسر أمام تهديد مباشر للمعاش اليومي. من ما ينعكس على الاستقرار.
إلى جانب إعادة تشغيل الخدمات واستقرار نشاط الاقتصاد، يظل البعد الجمالي لإعادة الإعمار تحديًا قائمًا. فالحياة قد عادت إلى الخرطوم، والخدمات بدأت تنساب ، وإن كانت دون الطموح، لكن المشهد العمراني ما زال يحمل آثار الحرب بشكل صادم للذائقة الجمالية و البصرية.
المباني المتضررة، والواجهات المدمرة، تذكّر المواطنين يوميًا بحجم الدمار الذي خلفته الحرب، وتؤثر على شعورهم بالانتماء إلى مدينتهم. لذلك إعادة الإعمار ليست مجرد تشغيل خدمات، بل تحتاج إلى رؤية شاملة للتجميل الحضري، تشمل إعادة تشييد المباني المتضررة، وإصلاح الواجهات، وتهيئة الفراغات العامة بطريقة تجعل العاصمة مقبولة بصريًا ومريحة نفسيًا للمواطنين، بما يعزز شعورهم بالانتماء إلى المدينة والدولة.
في مؤشر مهم على التحرك المحمود، نحو إعادة ضبط البيئة الحضرية، أصدر الاجتماع الموسع بمحلية الخرطوم أمس حزمة قرارات لتوفيق أوضاع الأسواق المتأثرة بالحرب وتحديد صلاحيتها لمعاودة النشاط اليومي.
الاجتماع برئاسة المدير التنفيذي للمحلية عبد المنعم البشير وبحضور ممثلي اللجنة المختصة، شمل تقييم الوضع الهندسي والقانوني والأمني والتنظيمي للأسواق، ودراسة أوضاع التجار وامتلاكهم المستندات القانونية، واستصحاب آراء المواطنين حول حاجتهم للخدمات أو البدائل المتاحة. كما وجه بإجراء دراسات هندسية للأسواق المدمرة لتحديد إمكانية إزالتها أو صيانتها أو إعادة تشييدها، مع وضع بدائل مناسبة للعاملين.
هذه الاجراءات الواعدة تمثل خطوة مهمة غير أن التحول من الأمن إلى التنمية لا يكتمل إذا اقتصر على تشغيل الخدمات والبنية التحتية، إذ إن التعافي المستدام يقوم على جناحين متلازمين: التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية. فالمجتمعات الخارجة من النزاعات تعاني من دمار مادي واجتماعي، واتساع دوائر الفقر الحضري. ومن دون معالجة هذه الأبعاد المركبة، يبقى التعافي هشًا في عمقه، حتى لو بدا سريعًا في ظاهره.
في المحصلة، بحسب #وجه_الحقيقة فإن الخرطوم تقف أمام لحظة مفصلية. فإما أن تظل عاصمة مؤمّنة تعيش على حافة الطوارئ، تتنقل بين أزمات الكهرباء والمياه والخبز والغاز، أو أن تنجح في العبور المنظم نحو نموذج تنموي شامل يعيد للدولة معناها الوظيفي في حياة الناس. والفرق بين المسارين لا تصنعه القبضة الأمنية أو وفرة الموارد، بل وضوح الرؤية، والاستراتيجية المتكاملة، وشجاعة الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء منظومات اقتصادية واجتماعية مستدامة. فالأمن يوقف الانفلات، أما التنمية فهي التي تعيد للحياة نبضها الدائم وتمنح العاصمة قدرتها الحقيقية على أن تكون مركز دولة لا مجرد مدينة نجت من الحرب.
دمتم بخير وعافية.
السبت 28 فبراير 2026 م [email protected]
التعليقات مغلقة.