ياسين عمر يكتب 7 كذبات في خطاب عبدالرحـ يم دقلـ.ـو وورطة قاتلة

  1. استهل عبدالرحيم دقلو حديثه بالقول إن (الإسلاميين ضغطوا على الحركات للخروج من الحياد أو الذهاب إلى الفاشر) وإذا عدنا إلى فترة حكومة د. عبد الله حمدوك الأولى، التي جاءت في أعقاب ثورة ديسمبر، نجد أن الإسلاميين كانوا في أضعف حالاتهم السياسية والتنظيمية. فقد تعرض قادتهم العسكريون والمدنيون للاعتقالات والإقصاء، وصودرت ممتلكات واسعة منسوبة إليهم، وتم اتخاذ قرارات مؤثرة بحقهم دون أن يمتلكوا القدرة على إيقافها أو التأثير فيها بصورة فعالة، بل إن النظام السابق بأكمله أُبعد عن المشهد السياسي، ولم تنجح تلك القوى في حماية أبرز رموزه أو منع الإجراءات التي اتخذت ضده.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز سؤال منطقي: كيف لقوة سياسية كانت عاجزة عن حماية نفسها أو التأثير في مسار السلطة آنذاك أن تمتلك القدرة على فرض إرادتها على حركات مسلحة تملك قوات ومقاتلين وقيادات مستقلة وقراراً سياسياً وعسكرياً خاصاً بها؟

ومن زاوية أخرى، فإن افتراض صحة رواية عبدالرحيم يقود إلى نتيجة تناقض ما يحاول إثباته، فإذا كانت الحركات قد استجابت بالفعل لدعوات حمل السلاح ضد قوات الدعـ ـم السـ..ريع، فهذا يعني أنها لديها قناعة بأن التعايش مع هذه القوات لا يعد ممكناً، وأنها رأت في تمددها أو ممارساتها تهديداً مباشراً يستوجب المواجهة، وبذلك تصبح مشاركتها في القتال دليلاً على أزمة عميقة في العلاقة مع الدعـ م، لا دليلاً على نفوذ الإسلاميين وتحمل في طياتها اعترافاً غير مباشر بأن قوى عديدة، بما فيها الحركات المسلحة، رأت في مشروع الدعم السريع خطراً يستدعي المواجهة، وهو ما يضعف رواية (الحياد) التي حاول عبدالرحيم الاستناد إليها في موضع آخر من حديثه.

  1. وقال عبدالرحـ يم دقلو أن قواته (فتحت مسارات آمنة للمدنيين للخروج من الفاشر)، ويطرح ذلك رواية تصطدم مباشرةً بما وثقته الوقائع على الأرض في الفاشر على الخصوص ومن جميل مكر الله أن كافة تلك الوقائع لم تأتِ عبر روايات الخصوم، بل ظهرت في مواد مصورة تداولها عناصر وقادة بالمليشيا أنفسهم، لتتحول الكاميرا من أداة دعاية إلى شاهد اتهام وبينما تتحدث القيادة عن حماية المدنيين، تظل صور الضحايا وشهادات الناجين وفي مقدمتها الجرائم التي ارتبط اسم أبو لولو بها، حاضرة بقوة في ذاكرة السودانيين، شاهدة على التناقض بين الخطاب والممارسة.
  2. وأضاف عبدالرحـ يم دقلو إن قواته (سمحت لمنسوبي الأجهزة الأمنية بالخروج من الفاشر في إطار حث الآخرين على رفع راية السلام وعدم جر دارفور إلى الصراع) ، فإنه يقدم رواية تتعارض مع مواقف وتصريحات سابقة صدرت عن قيادة المليشيا نفسها خلال الحرب، فقد دأبت قيادات الدعـ..ـم السـ.ريع في مناسبات عديدة على تبرير الانتهاكات التي وثقتها مقاطع الفيديو بالقول إن المستهدفين كانوا من العسكريين أو المنتمين للأجهزة النظامية، وهو تبرير استُخدم لتسويغ ممارسات اتسمت بالقسوة والتنكيل، غير أن الوقائع التي شهدها السودانيون أظهرت أن كثيراً من ضحايا تلك الانتهاكات كانوا مدنيين لا صلة لهم بالعمل العسكري أو الأمني، كما أن ذاكرة الحرب ما زالت تحتفظ بمشاهد لعناصر من الدعـ م السـ..ـريع وهم يستهدفون أشخاصاً يعانون من اضطرابات وأمراض نفسية بزعم ارتباطهم بالأجهزة الأمنية أو الاستخباراتية، لذلك فإن الحديث اليوم عن التسامح مع منسوبي الأجهزة الأمنية والسماح لهم بالمغادرة الآمنة يثير تساؤلات جدية حول مدى اتساق هذا الخطاب مع السلوك الذي طبع أداء المليشيا خلال مراحل مختلفة من النزاع، ويعكس فجوة واضحة بين الرواية الحالية وما وثقته الأحداث على الأرض أو أنه تقدمه لمرحلة جديدة سيما مع حديثه عن السلام.
  3. أما قول عبدالرحـ يم دقلو إنهم (تواصلوا مع الحركات واتفقوا معها على أن تقعد فراجا، أي بعيدة عن الصراع) ، فقراءة المشهد السياسي والعسكري في دارفور تجعل هذه الرواية محل شك كبير، خاصة إذا تعلق الأمر بالحركات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، فهذه الحركات نشأت أساساً على خلفية مظالم تاريخية في الإقليم، وخاضت سنوات طويلة من القتال تحت شعارات العدالة وحقوق المجتمعات المحلية، ومن الصعب تصور أن تتماهى أو تنسق مع قوة ارتبط اسمها، في نظر قطاعات واسعة من أهل دارفور، بملفات الانتهاكات والدمار والنزوح خلال مراحل مختلفة من الصراع، فالدعـ م السـ..ـريع يواجه اتهامات متكررة بنقض التحالفات والانقلاب على الشركاء السابقين. وإذا كانت العلاقة قد انتهت بالخلاف مع الشيخ موسى هلال وسجنه وقتل أبناءه، الذي يُنظر إليه باعتباره الأب الروحي لكثير من المكونات التي خرجت منها هذه القوات، وقبل ذلك مع نظام الرئيس السابق عمر البشير الذي أسهم في صعودها، فإن ذلك يجعل أي حديث عن تفاهمات استراتيجية طويلة الأمد مع الحركات المسلحة أمراً يحتاج إلى ما هو أكثر من التصريحات لإثباته.
  4. ولأول مرة اعترف عبدالرحـ يم دقـ.لو : (إذا بنقول ما عندنا عساكر ارتكبوا انتهاكات بنكون ما صدقنا، ونبشركم كلهم مرميين في السجن) غير أن هذا الحديث يثير أسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة الانتهاكات التي يتحدث عنها، وحدود المسؤولية عنها، ومدى جدية الإجراءات المعلنة بشأنها، فإذا كان المقصود مجرد تجاوزات فردية محدودة، فإن الوقائع التي وثقتها الحرب تتجاوز ذلك بكثير. فهل يعتبر عبدالرحيم أن القتل الممنهج للمدنيين، بمن فيهم النساء والأطفال، والتهجير القسري لملايين المواطنين، وعمليات النهب واسعة النطاق، والتصفيات ذات الطابع العرقي، في خانة التجاوزات التي يمكن معالجتها بإجراءات داخلية محدودة وسجن؟

ثم إن الحديث عن وجود جميع المتورطين في السجون يفتقر إلى ما يعضده من معلومات معلنة أو إجراءات شفافة،فالقوات لم تكشف للرأي العام أسماء المتهمين، ولا طبيعة الجرائم المنسوبة إليهم، ولا حتى عددهم ولا تفاصيل المحاكمات التي قيل إنها أُجريت أو ما تزال جارية، وفي ظل وجود عدد كبير من الجرائم الموثقة بالصوت والصورة، يصبح من المشروع التساؤل: أين نتائج التحقيقات؟ ومن هم المسؤولون الذين تمت محاسبتهم فعلياً؟

ويبرز هنا مثال أبو لولو وغيره من الأسماء التي ارتبطت باتهامات خطيرة. فإذا كان قد أُوقف بالفعل، فما هي الجرائم التي حوكم بسببها؟ وهل تتناسب العقوبات مع حجم الأفعال المنسوبة إليه؟ أم أن الأمر لا يتجاوز محاولة لامتصاص الضغوط والانتقادات المتصاعدة؟ فالمشكلة الأساسية في هذا الخطاب أنه يطالب الناس بتصديق رواية المحاسبة دون أن يقدم أدلة كافية عليها.

  1. ولأن الموفق من وفقه الله قال عبدالرحـ .يم دقلو : (سمحنا للمساعدات الإنسانية تدخل وجات من بورتسودان بالمناسبة)، فهذا التصريح يحمل في داخله ما يناقض كثيراً من الخطاب السياسي الذي ظلت تردده مليشـ.ـيا الدعـ م السـ..ـريع بشأن السلطة القائمة في بورتسودان.

فالخير ما شهدت به الأعداء؛ إذ إن عبدالرحيم أقر، من حيث أراد أو لم يرد، بأن المساعدات الإنسانية كانت تُسيَّر من بورتسودان إلى دارفور، وأن الجهات الرسمية هناك لم تغلق الباب أمام إيصال العون الإنساني إلى المواطنين المتضررين من الحرب وهذا الإقرار يهدم جانباً من الدعاية السياسية التي سعت إلى تصوير ما يُعرف بـ (حكومة بورتسودان) باعتبارها غير معنية بأوضاع دارفور أو بمعاناة أهلها، بينما الواقع الذي أشار إليه عبدالرحيم نفسه يؤكد أن قوافل المساعدات انطلقت نحو الإقليم رغم ظروف الحرب وتعقيداتها.

لكن ما تجاهله عبدالرحيم هو أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن أرسل المساعدات، وإنما بمن كان يسيطر على الطرق والممرات والمناطق التي يفترض أن تعبر عبرها تلك المساعدات. فالقوات التي تفرض حصاراً أو تسيطر على محيط المدن والمناطق المتأثرة بالنزاع تتحمل بحكم الأمر الواقع مسؤولية مباشرة في تسهيل أو تعطيل وصول الإغاثة.

كما أن تقارير المنظمات الدولية والأممية لم تتحدث عن رفض بورتسودان إرسال المساعدات، بل تحدثت مراراً عن صعوبات وعراقيل واجهت عمليات إيصال الإغاثة إلى المتضررين. والأهم من ذلك عزيزي القارئ أن عبدالرحيم نفسه سبق أن ربط وصول المساعدات الإنسانية وفقا لمصادر صحفية بالحصول على اعتراف دولي بسلطة أمر واقع في المناطق التي تسيطر عليها قواته، وهو طرح فُهم على نطاق واسع باعتباره محاولة لتسييس العمل الإنساني وربطه بأهداف سياسية تتجاوز الاحتياجات العاجلة للمدنيين.

  1. من نافلة القول إن عبدالرحـ ـيم دقلو يكرر (موقفنا ثابت من الحكم المدني)، لكن المشكلة أن هذا (الثبات) يصطدم مباشرة بشعارات الشارع يوم إسقاط عمر البشير، حين كان الهتاف واضحاً بلا تعقيد: العسكر للثكنات والجنجويد ينحل.

السودان #مقالات #ياسينعمريكتب

التعليقات مغلقة.