همس الحروف.. جريمة القاهرة التي هزت وجدان الشعب السوداني .. الجزء الثاني✍️ د. الباقر عبد القيوم
كتبت في مقالي السابق والذي كان عنوانه (جريمة القاهرة التي هزت وجدان الشعب السوداني) ، عن حادثة الفتاة السودانية التي فقدت حياتها في القاهرة ، وكان الهدف هو قراءة الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للخبر وتحليله كما ورد في حينه ، فلم أوجه فيه اتهام أو إصدر فيه حكم على أي شخص ، وقد إستند المقال إلى المعلومات المتوفرة آنذاك ، والتي أوحت بأن الخلاف وقع بين الفتاتين حول مبلغ مالي بسيط ، فحاولت أن أتناول كيف يمكن لضغوط الحياة القاسية والعوز واللجوء أن تدفع الناس إلى حواف الانفعال والهزيمة .
اليوم، وبعد أن تكشفت تفاصيل التحقيقات ، إتضحت صورة مختلفة للواقعة ، فقد تبين أن نادل المقهى هو من إرتكنب هذه الجريمة بسبب خلاف حول فاتورة المشروبات ، وأن النقاش الذي دار بشأنها ، وتطور بصورة مأساوية انتهت بجريمة قتل غير مبررة ، وإتضح أن الفتاة التي إشير إليها لم تكن طرف في الجريمة ، وإنما كانت شاهدة على ما حدث .
ومن المهم هنا التأكيد على أن المقال السابق لم يضع تلك الفتاة المعنية في موضع إدانة ، ولم يتعامل معها بوصفها متهمة او مجرمة ، وإنما نظر إلى الفتاتين معاً بإعتبارهما ضحيتين لظروف قاسية فرضتها عليهما سنوات من النزوح والضيق وعدم الاستقرار ، ومع ظهور الحقيقة يصبح من الواجب توضيحها بكل أمانة واحترام لما انتهت إليه التحقيقات .
إن تصحيح المعلومات عند ظهور حقائق جديدة ليس تراجع عن الموقف الإنساني الذي إنطلق منه المقال ، ولكن من باب إحترام الحقيقة ، وهنا لا بد لنا من إنصاف الأشخاص الذين قد تطالهم الشبهات دون وجه حق ، فالعدالة تقوم على ما تثبته الوقائع والتحقيقات .
وتبقى هذه الحادثة المؤلمة بكل تفاصيلها القاسية عالقة في أذهان الكثيرين ، لأن خلف مثل هذه الأخبار المأساوية توجد حياة بشرية مليئة بالضغوطات وصعوبات الحياة ، وما كتبناه بالأمس كان محاولة لفهم تلك الضغوط ، أما ما نكتبه اليوم فهو تأكيد على أن الحقيقة تستحق دائماً أن نرويها كما هي ، وهذا واجب تمليه علينا أخلاقيات المهنة .
رحم الله الفقيدة ، وألهم أهلها وصديقتها وكل من يعرف فضلها الصبر ، والسلوان ، وحفظ الله الجميع من الظلم وسوء الظن ، وجعل الحقيقة دائماً هي الكلمة الأخيرة .
الله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل
[email protected]
التعليقات مغلقة.