ياسين عمر يكتب : ست ملاحظات على حديث الشيخ د. محمد الأمين إسماعيل حول الحرب
.
أولا: ثمة خلط متعمد بين سؤالين مختلفين: من أطلق الطلقة الأولى؟ ومن بدأ الحرب؟ فإطلاق الرصاصة الأولى قد يكون لحظة الانفجار، لكنه ليس بالضرورة بداية الصراع، فالحروب لا تبدأ عادة بطلقة عابرة، وإنما تسبقها مراحل من الاحتقان السياسي، والاستقطاب، والضغوط، والإقصاء، والتعبئة الإعلامية، وصولا إلى لحظة الانفجار العسكري، ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون وفي مقدمتهم الشيخ د. محمد الأمين إسماعيل أن الأزمة السودانية دخلت مسار الحرب بعدد من المؤشرات مرورا بالاتفاق الإطارئ وفرضه رغم حالة الانقسام الواسعة، وهو ما عززته تصريحات لقيادات سياسية في تحالف قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي، تحدثت عن أن البديل للاتفاق هو الحرب.
ثانيا: من يظن أن استهداف السودان يقتصر على بندقية محمد حمدان (حميدتي) أو على فصيل سياسي بعينه، فإنه يغفل طبيعة الصراع الذي تُستخدم فيه أدوات إعلامية وسياسية واقتصادية واجتماعية تعمل بتكامل لتحقيق أهداف محددة، هذه الحرب تسعى إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية: السيطرة على الموانئ على البحر الأحمر، والاستيلاء على اليورانيوم في دارفور، والنفوذ على الأراضي الزراعية في الفشقة شرقي السودان، ومحاربة ما يُعرف بـ (الإسلام السياسي).
- ولأن المعركة ليست عسكرية فحسب، فقد تحول الإعلام إلى جبهة متقدمة لصناعة الرواية وتوجيه الرأي العام، بالتوازي مع ضغوط اقتصادية عبر المضاربة في العملات، وإرباك الأسواق، واستهداف السلع الاستراتيجية والمحروقات، بما يرهق الدولة ويضاعف معاناة المواطنين.
- ويكتمل هذا المخطط بإضعاف الجبهة الداخلية من خلال تغذية الانقسامات والاستقطاب، وهو ما تجلّى في آثار بعض مسارات اتفاق جوبا التي عمّقت الخلافات وأضعفت التماسك الوطني، عبر تقديم عناصر ضعيفة على حساب القيادات المؤثرة ذات الثقل الجماهيري، هل تذكرون شقي ثمود الذي عقر الناقة؟ لقد نسب الله الفعل إلى القوم جميعا فقال: (فَعَقَرُوهَا)، ولم يقل: فعقرها، لأن الرضا بالباطل، أو السكوت عنه، أو التخاذل في مقاومته، يجعل صاحبه شريكا في تبعاته.
ثالثا: إذا كان الله يقول في الحديث القدسي: (من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب)، فكيف يُنظر إلى من يتعدى على ثوابت الدين وحرمة المقدسات؟ وكيف يقيم ما حدث إبان فترة حمدوك من الجدل الذي أُثير حول مناهج التعليم، وما نسب إلى مدير المناهج آنذاك من إدراج رسوم اعتبرها أئمة وعلماء دين ومجامع فقهية مساسا بالمعتقدات الإسلامية؟ أليست مثل هذه الوقائع، في نظر قطاع واسع من الناس سيما أهل الاختصاص، من المؤشرات التي أسهمت في تعميق حالة الاحتقان، ومهدت لصراع تجاوز السياسة إلى استهداف الهوية والقيم؟ ألم تمنح الخرطوم مقر إحدى المنظمات الإسلامية الكبرى فيه لأنشطة مرتبطة بالمثليين؟!
رابعا: لقد بدأت نذر هذه الحرب تزيد على الراقع، وكانت هنالك دعوات تطالب بإسكات صوت الدعوة والعلماء، وكان الهتاف الشهير: (قم يا عبدالحي) علامة فارقة في مسار استهداف دور المنابر الدينية وتقليص مساحة العلماء في تناول قضايا الأمة وهموم المجتمع.
- لقد أرادوا أن يكون العلماء معنيين فقط بالحديث عن مسائل العبادات من وضوء وطهارة وحيض ونفاس،لا أن يكون لهم دور في التوجيه والإصلاح والنصح في القضايا العامة التي تمس حياة الناس ومصالح الأمة، أين الشيخ الآن ألم يخرجوه من دياره ويحرموه من مسجده بآلة الدولة؟ ألم يتضامن مجلس الوزراء المكون من سبعة عشر وزير مع وزير الشباب آنذاك في قضيتها الشهيرة؟ مع أن القضية في بوابة النيابة.
- ألم تتحقق نبوءة الشيخ د. عبدالحي يوسف حين حذر من أن تكليف الدكتور عبد الله حمدوك برئاسة الوزراء لن يُصلح معاش الناس ولن يحقق الاستقرار الاقتصادي؟ لأن همومه ليست هموم الناس، أليست السنوات التي أعقبت ذلك كافية للحكم على التجربة؟ ثم كيف انتهت تلك المرحلة؟ لقد غادر حمدوك منصبه، ولم يترك خلفه الإنجازات التي بُشِّر بها وعاد الناس إلى حديث الشيخ اليوم.
خامسا: لقد انتصرت الثورة على نظام الرئيس السابق عمر البشير بالوسائل السلمية، لكن ومن بوادر الحرب كذلك ، عندما غابت العدالة وحلّ محلها منطق الإقصاء والانتقام فمنذ الأيام الأولى، صودرت أموال شخصيات من النظام السابق، وسجن آخرون، بينما أثيرت انتقادات بشأن أوضاع بعض المحتجزين، بما في ذلك عدم حصول بعضهم على الرعاية الصحية اللازمة، وانتهى الأمر بوفاة عدد منهم أثناء الاحتجاز.
- وتحت لافتة (إزالة التمكين) ، اتسعت دائرة القرارات حتى طالت شرائح اجتماعية بسيطة، ووصلت إلى فئات لا صلة لها بمراكز النفوذ مثل بائعات الشاي ، كما أُغلقت منظمات خيرية كانت تقدم العون للفقراء والمحتاجين، وأُوقفت قنوات ذات توجه ديني، دون أن يرى منتقدو تلك الإجراءات أنها مرت بالقدر الكافي من الضمانات القانونية أو القضائية، وحين تغيب العدالة، ويُستبدل حكم القانون بمنطق الغلبة، فإن بذور الصراع تكون قد زُرعت، حتى وإن تأخر موعد انفجارها.
سادسا: ما ذهب إليه الشيخ الدكتور محمد الأمين إسماعيل عضو مجمع الفقه الإسلامي ونائب رئيس جماعة أنصار السنة بالسودان بشأن أن الحرب لم تبدأ مع إطلاق الرصاصة الأولى، بل سبقتها مقدمات ومؤشرات صنعت بيئتها، تؤيده ( في تقديري ) وقائع وأحداث شهدها السودان خلال السنوات الماضية. فالسنن الإلهية تقرر أن النتائج لا تنفصل عن أسبابها، كما قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ).
- ولذلك، فإن قراءة المشهد لا تكون بالنظر إلى لحظة الانفجار وحدها في 15 أبريل ، وإنما بتتبع المقدمات التي قادت إليه. وكما جاء في الإنجيل على لسان المسيح: (من ثمارهم تعرفونهم)، فإن المواقف والتصريحات والممارسات تكشف حقيقة المشاريع وأهدافها، وتبين للناس كيف يفكر أصحابها، وما الذي كانوا يخططون له قبل أن تتحول الأزمة إلى حرب مفتوحة.
التعليقات مغلقة.