عندما تولد المصالح تُوأد الإنسانية
ليست كل العلاقات التي تبدأ بالقرب تنتهي إلى معرفة، ولا كل المسافات بين البشر وليدة خلاف. أحيانًا يتغير شيء أكثر خفاءً؛ يتغير المعنى الذي قامت عليه العلاقة نفسها.
فما كان يومًا قائمًا على التقدير المتبادل، قد يتحول تدريجيًا إلى علاقة تُقاس فيها قيمة الإنسان بما يستطيع أن يقدمه. عندها لا يعود السؤال: من هذا الإنسان؟ بل: ماذا يمكن أن يقدم؟
ومن هنا تبدأ الإنسانية في التراجع؛ حين تتحول العلاقة إلى حساب، والقرب إلى منفعة، والوجود إلى حاجة مؤقتة.
المصلحة في حد ذاتها ليست خطأ، لكن الخلل أن تصبح المعيار الوحيد. فحين تنتهي الحاجة، يُستغنى عن الشخص، وحين تعود الحاجة يُستعاد، وكأن الإنسان باب يُفتح عند الضرورة ويُغلق بانتهائها.
لكن السؤال الأعمق ليس: هل انتهت العلاقة؟
بل: هل انتهت العلاقة فعلًا، أم انتهت الحاجة إليها؟
ومن يجعل الآخرين وسائل لتحقيق غاياته، قد يظن أنه يجيد إدارة علاقاته، لكنه في الحقيقة يصنع حوله علاقات مؤقتة؛ تنتهي بانتهاء ما يجمعها من منفعة. ومع الوقت، سيجد نفسه يُعامل بالمبدأ ذاته الذي اختاره للآخرين.
فالعلاقات الإنسانية لا تحتاج إلى إلغاء المصالح، لكنها تحتاج إلى ألا تصبح المصلحة فيها أعلى من قيمة الإنسان.
لأن الإنسان حين يُختزل في فائدته، يصبح وجوده مؤقتًا بقدر حاجتنا إليه. وحين تصبح المنفعة هي اللغة الوحيدة بين البشر، لا تنتهي العلاقات فحسب، بل يفقد الإنسان مكانه كقيمة مستقلة.
وقد ينجح المرء في كسب الكثير من المصالح، لكنه سيصل يومًا إلى السؤال الذي لا تجيب عنه المصلحة:
ماذا يبقى حين تنتهي كل المصالح؟
عندها فقط تتضح الحقيقة:
من جعل الناس وسائل، عاش محاطًا بالمنفعة ووحيدًا من الإنسانية.
ومن حفظ للإنسان قيمته، بقي له ما لا تنهيه الحاجة.
فحين تولد المصالح لتقود العلاقات، تُوأد الإنسانية في داخلها.
التعليقات مغلقة.