حديث السبت.. يوسف عبد المنان يكتب “قراءة في دفتر اعترافات البرهان أمام الصحافيين”
(1)
هل هي اعترافات لرئيس عربي لايزال ممسكاً بمقود السلطة؟ أم هي تأكيد لما هو معروف مسبقاً؟ أم هي أسرار رُفع عنها الغطاء قبل أوان كشفها لعامة الناس؟ لأول مرة منذ اعتلاء البرهان للسلطة في ٢٠١٩م يفتح الرجل دفاتره القديمة وأوراق حاضره الذي تخيّم عليه الحرب من جهة ومخاض حوار يختلف الناس حول توقيته لكنهم يتفقون جميعاً على جدواه.
كانت فكرة عبقرية تلك التي جمعت أطياف من الكتاب والصحافيين قطع بعضهم آلاف الأميال من مهاجر بعيدة وقريبة بعضهم لم نعرف لهم اهتماماً بالشأن السوداني وهم في مطابخ أكبر القنوات الفضائية ومراكز البحوث عادوا والشوق والحنين إلى مسقط الرأس يغالبهم ،جاء من الإعلام العربي دكتور حسن المجمر قناة الجزيرة والدكتور صلاح الدين الزين مركز أبحاث الجزيرة وجاء عادل الباز ومزمل أبوالقاسم والهندي عزالدين والفتى الصغير ربعي وجاءت جدية عثمان ولو استغرقنا في الأسماء لضاعت فرصة قراءة ماوراء إفادات واعترافات البرهان التي قالها بشجاعة وصبر استعاد ذكريات من ماضي الحرب حتى فاضت دموعه ليبدو القائد كإنسان له مشاعره، وقلب رؤوف ذرف الدموع وما أغلى دموع قادة الجيوش الذي يخوضون غمار المعارك لا الجيوش التي سمنت في حظائر حكامها كما قال نزار قباني عليه الرحمة.
دخلنا قاعة واسعة صُممت بطريقة مدهشة بعد خضوع الوفد الكبير لاجراءات تفتيش صارمة جُرّدنا فيها من الهواتف والساعات وحتى مفاتيح العربات وتذكرت ماخضعنا له في تسعينات القرن الماضي في بوابات قصور بغداد حينما ضُرب لنا موعداً للقاء صدام حسين في عاصمة الصمود والبسالة رغم الخيانة من أشخاص وليس رجال، كان صدام يعدهم من الأخيار.
في حديثه ذو الشجون ذكر البرهان واقعة صحافي فرنسي التقاه في الخرطوم ورفض الصحافي أن يستخدم صوراً التقطت بغير كاميرته احتراماً لمهنته وأعجب البرهان بذلك ولكنه ربما لايعلم بأن الصحافيين الذين أمامه سلاحهم الكاميرا والهاتف ولكنهم يجلسون أمامه بلا سلاح ويدونون ماقاله القائد البرهان على الأوراق ولايعلمون حتى هل غربت الشمس أم لا.
(2)
كل من كان في القاعة خرج وهو يتلفّت متى يدفن البرهان حكومة البروفيسرات والأفندية في شاطيء النيل وياتي بحكومة ربما يقودها جنرال متقاعد أو إداري قديم أو سياسي من غير عباءة حزبية ذات ألوان صارخة. البرهان حينما شكى من حكومة كامل إدريس كان يهيء الرأي العام الذي بلغت به التعبئة ذروتها في غير صالح الحكومة التي
فشلت في ملف الكهرباء والاقتصاد والزراعة وأخيراً فشلت في احتمال نقد وتقريع الصحافة ولجأت للمحاكم لتقتص من امرأة اسمها أم وضاح.
ولكن البرهان حينما يختار الفريق إبراهيم جابر لمرافقته في اللقاء لوحده من بين أعضاء مجلس السيادة عسكريين وشبه عسكريين ونعني بهم أعضاء المجلس السيادي من مكوّن حركات الكفاح المسلح فإن البرهان يبعث برسالة غير مباشرة بأن جابر هو المهندس الذي أنقذ الخرطوم من شعثها ،وحلت لجنة إبراهيم جابر في رابعة النهار وقد رافق البرهان في لقائه بالصحافيين كأنه قادم لموقع رفيع في الدولة ولكن منصب رئيس الوزراء يقتضي خلع البزة العسكرية وفاعلية جابر في بزته العسكريه لا في موهبة أخرى فهل يسند البرهان لجابر منصب رئيس الوزراء ويطلق يده في تشكيل حكومته أم سيبقى البروفيسور كامل ويذهب البروفسيرات والأفندية ويحل مكانهم آخرين؟.
حديث البرهان عن قوى الحرية والتغيير التي تخلّقت في صمود الآن يعبّر عن مشاعر الرجل الحقيقية خاصة كشفه لأسرار جمعته بقادة الحرية والتغيير قبل الحرب حينما كان الهمس بين البرهان وخالد سلك ووجدي ميرغني والسنهوري وإبراهيم الشيخ ومريم الصادق وصديق يوسف ويتخلل الهمس قهقهات وأصوات أكواب الشاي وقادة الحرية والتغيير يغازلون قائد الجيش ويضعون أمامه طُعماً حلو المذاق بأن يبقى البرهان رئيسا لهم والسودان لمدة عشر سنوات من غير انتخابات على أن يستأثر قادة الحرية بالسلطة لأنفسهم ،واعتبر البرهان هذا السلوك الذي دمغه بالانتهازية يكشف عن تفكير هذه الجماعة في نفسها بينما العسكر مع التحول الديمقراطي منذ اليوم الأول للتغير وحتى الآن.
وقطع البرهان لسان خالد سلك الذي يتحدث كثيراً عن تواصلهم مع بعض قيادات المكون العسكري وهو حديث ربما قصد به الشرخ أكثر من جمع الصف وقد شدّد البرهان على أن التواصل له منفذ وحيد عبر لجنة شكلها مجلس الأمن والدفاع الوطني وهي من يدرس أيّة مبادرة ويقدمها لمجلس السيادة والقيادة وهذه الإشارة تعني أن مجلس السيادة له بعض الأدوار الهامشية ولكن لماذا الاصرار على بقاء جسم هامشي جداً بلاتأثير حقيقي.
وفتح البرهان صندوق أسرار سنوات ماقبل سقوط البشير ورد على الذين يحمّلونه لوحده صعود الدعم السريع حتى ظن أنه قادر على ابتلاع الجيش في ساعات يوم الخامس عشر من أبريل عام ٢٠٢٣ وقال إن البشير هو الأب والأم التي أنجبت هذا الجنين ولم ينف البرهان مسؤوليته عن بعض الأخطاء التي حدثت مثل تعيين حميدتي نائباً أول لرئيس مجلس السيادة ولكن هل كان البرهان يفكر في احتواء حميدتي؟ الذي قال البشير يوماً للبرهان ومعه شهود أحياء مثل محمد عطا رئيس جهاز الأمن والفريق اول مهندس عبدالرحيم محمد حسين والفريق عوض ابن عوف حينما ذهبا الأربعة للبشير يطلبان من دمج الدعم السريع في الجيش ووجدا البشير يرتدي ملابس مدنية ويضع طاقية على رأسه وكان البرهان حينها قائداً للقوات البرية وتحدث عبدالرحيم محمد حسين عن ضرورة دمج الدعم السريع في الجيش فماكان من البشير إلا القول حميدتي في جيبي وقال عبدالرحيم محمد حسين الرجل دة بخونك فقال البشير إذا انتم ماعاوزين الدعم السريع في الجيش سوف نضمه للفريق محمد عطا في جهاز الأمن
وهل دفع عبدالرحيم ثمن هذا الموقف بإبعاده من وزارة الدفاع؟ إلى منصب هامشي في القصر؟
اللغة التي تحدث بها البرهان عن الحركات المسلحة وقوله أنها كلها الآن تقاتل مع القوات المسلحة في ميادين المعركة وسوف تكتمل عمليات إدماجها في الجيش قريباً جداً، ولكنه عاد وقطع الطريق أمام أي طامع في السودان في السلطة عن طريق تكوين المليشيات حتى يتكسب منها وقال فات الأوان ولم تعد المليشيات باباً لولوج السلطة في هذه البلاد .
(3)
البرهان بموقفه المعلن من مليشيا الدعم السريع فإن أماني البعض بركوب ظهر وبندقية المليشيا يمثل أمنيات خائبة، وقد شدّد البرهان في حديثه للصحافيين بأن الدعم السريع لامكان له بيننا بعد الذي حدث وبثقة القائد في نفسه وجيشه وضع البرهان أصبعه على الزناد وقال إن الجيش الآن افضل حالاً من كل ماكان عليه من قبل الحرب وبعد الحرب وذكر أن للجيش الآن قواعد عسكرية مصممة بطريقة تحمي سلاح الجيش من الاستهداف واثنى البرهان على قائد سلاح الجو ابن زميلنا الاستاذ علي الريح .
وبعد الكثير من الحديث شرب البرهان كوباً من الماء، وجلس يستمع لمداخلات الصحافيين التي أفسدها عبدالملك النعيم مقدم الاحتفال بإصراره العجيب على تقسيم الصحافيين إلى داخل وخارج وانحيازه غير المبرّر للقادمين من الخارج وحتى اضطر الرئيس لإنصاف من هم في الداخل ورفع من شأنهم وقال إنهم صمدوا في وجه الحرب ولكن عبدالملك رفض منحهم فرص للحديث واستاثر لنفسه بكل الوقت حتى ضاق أعضاء مكتب البرهان وتم تنبيهه أمام الحاضرين .
انفض اللقاء وبقيت علامات استفهام عديدة في الساحة وطرح اللقاء أسئلة وأجاب عليها وليت العقل الذي خطّط ونفّذ مبادرة الإعلاميين جعلها فتحاً للقاءات شهرية بين البرهان والصحافة.
التعليقات مغلقة.