عابد سيد أحمد… من مقاعد الصحافة إلى قيادة الساحة الخضراءكتب: محمد عثمان الرضي

✦ لم يكن قرار والي ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد عثمان حمزة بتعيين الصحفي الأستاذ عابد سيد أحمد مديراً عاماً للساحة الخضراء، مجرد انتقال اسم من موقع إلى آخر، وإنما هو اختيار لشخصية خبرت دهاليز الإعلام، وعرفت كيف تُدار المؤسسات وتُبنى الأفكار وتتحول المساحات إلى منصات حقيقية لخدمة الناس.✦ والساحة الخضراء ليست مجرد مساحة جغرافية مفتوحة في قلب الخرطوم؛ فهي واحدة من المنافذ الترفيهية المعروفة بالعاصمة السودانية، وارتبط اسمها عبر السنوات بالفعاليات والأنشطة الجماهيرية والمناسبات المختلفة.✦ وفي موقعها بشارع إفريقيا، بالقرب من مطار الخرطوم الدولي، تتمتع الساحة بمساحة واسعة وإمكانات تجعلها مؤهلة لاستضافة المؤتمرات والندوات والسمنارات والبرامج الثقافية والمجتمعية، بما يمنحها فرصة للعودة إلى دائرة الضوء بصورة أكثر حضوراً.✦ ومن هنا تأتي أهمية القرار؛ فالمرفق الذي يمتلك الموقع والمساحة يحتاج إلى إدارة تستطيع أن ترى أبعد من حدود المكان، وأن تحول الإمكانات المتاحة إلى نشاط مستمر، وأن تجعل الساحة جزءاً حياً من المشهد الثقافي والاجتماعي في الخرطوم.✦ أما عابد سيد أحمد، فليس اسماً طارئاً على المشهد الإعلامي؛ فهو صحفي قدير، راكم خلال سنوات طويلة تجربة مهنية في أكثر من درب من دروب العمل الصحفي والإعلامي، حتى أصبح من الأسماء التي ارتبطت بمحطات مهمة في مسيرة إعلام ولاية الخرطوم.✦ وتبرز في مسيرته تجربة قناة الخرطوم الفضائية، التي كان أحد أبرز الذين أسهموا في تأسيسها، ثم تولى إدارتها لسنوات قاربت السبع، وهي فترة شهدت خلالها القناة محاولات لتطوير الأداء وتوسيع حضورها في المشهد الإعلامي الولائي.✦ وتجربة القناة تكشف جانباً مهماً من شخصية عابد المهنية؛ فإدارة مؤسسة إعلامية ليست مجرد الجلوس خلف مكتب، وإنما هي إدارة للكوادر والبرامج والأفكار، وموازنة بين الإمكانات والطموحات، وقراءة مستمرة لجمهور يتغير مع تغير الوسائط والأحداث.✦ ثم جاءت الصحافة الإلكترونية لتفتح أمامه ميداناً آخر، عبر صحيفته الإلكترونية التي أصبحت واحدة من التجارب اللافتة في الصحافة الرقمية السودانية، وأسهمت في تكريس المنافسة داخل فضاء إعلامي لا يعترف كثيراً بالحدود التقليدية للصحيفة والمطبعة والتوزيع.✦ وهذه الخبرة المتراكمة بين الإعلام التقليدي والفضاء الرقمي تمنح عابد سيد أحمد زاوية مختلفة للنظر إلى الساحة الخضراء؛ فالمكان اليوم لا يحتاج فقط إلى نشاط يقام داخله، وإنما إلى إعلام يصنع له حضوراً، ويعرّف الناس ببرامجه، ويعيده إلى ذاكرة المدينة.✦ كما أن مسيرته الوظيفية بوزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم منحته معرفة مباشرة بطبيعة العمل الحكومي، وتدرج خلال سنوات خدمته في السلم الوظيفي حتى بلغ مراتب متقدمة، وهو ما أضاف إلى تجربته الصحفية معرفة بالعمل المؤسسي والإداري.✦ ولعل الجمع بين الخبرة الصحفية والتجربة الإدارية هو أحد العوامل التي تجعل مهمة إدارة الساحة الخضراء قابلة لقراءة مختلفة؛ إذ إن نجاح المرفق لا يقاس بحجم مساحته، وإنما بقدرته على إنتاج نشاط ثقافي وترفيهي ومجتمعي مستدام.✦ ويملك عابد كذلك شبكة واسعة من العلاقات المهنية مع الإعلاميين والمثقفين وأصحاب المبادرات والفاعلين في المجتمع، إلى جانب معرفة بطبيعة دوائر صناعة القرار والرأي العام، وهي علاقات يمكن أن تتحول إلى أدوات عمل متى ما وُظفت لخدمة المؤسسة وأهدافها.✦ والساحة الخضراء في الخرطوم بعد الحرب تحتاج إلى أكثر من إعادة فتح أبوابها؛ تحتاج إلى استعادة دورها في حياة المدينة، وأن تصبح مساحة للقاء الناس، ومتنفساً للعائلات، ومنبراً للفعاليات، ومكاناً يحتضن المؤتمرات والمنتديات والأنشطة التي تعيد للخرطوم شيئاً من عافيتها الاجتماعية.✦ ولذلك فإن التحدي أمام المدير العام الجديد لن يكون في إدارة المكان فقط، وإنما في صناعة رؤية جديدة له؛ رؤية تجعل من الساحة مؤسسة حية تتحرك بالبرامج، وتستقطب الشراكات، وتستفيد من موقعها ومساحتها، وتواكب التحولات التي فرضتها الحرب على العاصمة وسكانها.✦ وبين الصحافة والإدارة والثقافة، يدخل عابد سيد أحمد تجربته الجديدة في الساحة الخضراء؛ تجربة ستحتاج إلى كثير من العمل وقليل من الكلام، وإلى تحويل الاسم المعروف في الوسط الإعلامي إلى مشروع معروف في فضاء الخرطوم. فالمهمة كبيرة، لكن الرجل يدخلها ومعه رصيد مهني وإداري يمكن أن يكون نقطة انطلاق نحو ساحة خضراء تستعيد اسمها ودورها ومكانتها في العاصمة.

التعليقات مغلقة.