العدل والمساواة الجديدة وتناسل الأزمات على تراب… كتب د:إسماعيل الحكيم


إن أثواب العدالة حين تُرتدى زوراً لتُفصل على مقاس البنادق، وتُدشن الحركات في قلب العواصم المكلومة بالرصاص لا عبر حبر الأفكار بل عبر دوي السلاح، فإننا لا نكون أمام مشهد سياسي جديد، بقدرما أننا أمام حلقة أخرى من مسلسل عبثي لا تنتهي فصوله، وإنما تتناسل أزماته وتتكاثر كخلايا سرطانية تنخر في ما تبقى من عظم الدولة. لقد جاء الإعلان عن ما يُسمى «حركة العدل والمساواة الجديدة» وانطلاق نشاطها من وسط الخرطوم ليمثل صدمة جديدة لوعي المواطن، لا سيما حين ترافق هذا الظهور مع جَفلَة الشوارع ووجوه مدججة بالسلاح ترتدي بزات عسكرية باتت في وجدان السودانيين رمزاً لكل خيبة ومأساة، وعنواناً بارزاً للبغض والكره الذي رافق سنوات الحرب العجاف.
إن الاستغراق في الدهشة من حمل السلاح وارتداء البزات العسكرية اليوم يبدو مجانبةً للواقع وقراءة ساذجة لطبيعة الأزمة السودانية المتشعبة؛ ففي ظل سيولة أمنية مفتوحة وتفكك مركب لهيبة المؤسسات، كان ظهور مثل هذه التشكيلات أمراً متوقعاً بل ومحسوماً ضمن منطق العبث الذي تحكمه شريعة الأمر الواقع. غير أن السؤال الذي يجاوز حدود الدهشة البديهية هو ذلك المتعلق بجدوى البحث عن مسجل للحركات المسلحة في دفاتر الإدارة الرسمية. إن الدولة الحديثة وضعت تراتبيتها الإدارية بدقة محكمة؛ فهناك مسجل للأحزاب يضبط التنافس المدني، ومسجل للمنظمات يضبط العمل الإنساني، ومسجل تجاري ينظم حركة المال والأعمال. لكن التاريخ البشري والقانوني لم يعرف قط مسجلاً للمليشيات أو الحركات المسلحة، لأن الفلسفة التأسيسية لأي كيان سيادي تقوم أساساً على الاحتكار المطلق للعنف الشرعي بيد الدولة ومؤسساتها العسكرية النظامية. وإن كانت اتفاقيات التسوية السابقة قد حاولت استيعاب استثناءات مسلحة عبر مسارات دمج وتسريح معقدة، فإن السماح بنشوء كيانات مسلحة جديدة والترويج لها من داخل العاصمة هو نسف تام لمفهوم الدولة، وتكريس لفكرة أمراء الحرب الذين يتكاثرون كلما ضعفت قبضة المركز واشتعلت نيران الفوضى.
ولكن قراءة المشهد بمعزل عن جذوره العميقة تبقى قاصرة؛ فهذه الحركة وما يشابهها ليست سوى أعراض جانبية لمرض عضال يتمثل في تناسل الأزمات وتولّدها المستمر من رحم الحرب ذاتها. إن بيئة الحرب الدائرة لا تنتج حلاً، ولكن تفرخ مصالح اقتصادية وسياسية واجتماعية جديدة تُقتات على دماء الأبرياء ومعاناتهم؛ فكل يوم تمر به البلاد في أتون الاقتتال يولد طبقة جديدة تستفيد من استمرار الفوضى، وتجد في تأسيس الكيانات المسلحة وإشهار السلاح في وجه المواطن وسيلة ضغط رخيصة لضمان حصة في مستقبل مجهول. وحين يتحول حمل السلاح إلى سلعة رابحة ووسيلة للوجاهة السياسية والمطلبية، فإن الأزمات لن تتوقف عن التوالد، ولكنها ستتعدد رؤوسها وتتنوع أشكالها، لتتحول الخرطوم ومدن السودان إلى حقل تجارب مفتوح لكل من يملك بندقية ويجيد توظيف الذاكرة الشعبية الجريحة لتحقيق مكاسب ضيقة.
إن معالجة هذا الخراج الروحي والمادي الذي يصيب جسد الدولة يتطلب أكثر بكثير من تنديد إعلامي محدود أو تعليق سطحي على المظاهر العسكرية؛ فهو يقتضي إعادة النظر في الفلسفة السياسية والأمنية برمتها، بحيث يُعاد الاعتبار لهيبة القانون الذي لا يعترف بسيادة مزدوجة ولا يقبل بسلطة توازي سلطة الجيش الوطني. إن بقاء العاصمة مسرحاً مفتوحاً لارتجال الحركات المسلحة وتدشين الكيانات الفضفاضة يعني أن الدولة تسلم قيادتها بملء إرادتها لمنطق الغاب، وهو ما سيجعل من أي حديث عن استقرار أو سلام مجرد وهم يضاف إلى ركام الأوهام التي أهلكت البلاد. فإما أن تستعيد الدولة قرارها الكامل وسيادتها الحصرية على السلاح والأرض، وإما أن ترتضي السقوط النهائي في دوامة لا متناهية من الأزمات المتناسلة التي لن تقف عند حدود الخرطوم وحدها.

التعليقات مغلقة.