الخصومة الخاسرة والنفس الكاسرة: كتب محمد النحوي الشريف
ْ
ليس أخطر على نسيجنا الاجتماعي من رجل أو امرأة جعل من الخصومة هُويّةً ومن العداء منهج حياة، لا يخاصم ليفهم ولا يجادل ليصل إلى حق، بل يخاصم ليغلب ولو هدم فوق رأسه كل شيء.
هذه الشخصية ليست جديدة علينا ولم تصنعها الحرب، فهي موجودة في مجتمعنا منذ زمن بعيد، كنا نراها في مجالسنا ومجتمعاتنا قبل سنوات طويلة، ذلك الرجل الذي وصفه الحديث الشريف بأنه ألدّ الخصام، إذا خاصم فجر وإذا اؤتمن خان، وتلك المرأة شديدة الخصومة التي تقطع رحمها مع أختها أو جارتها أو زوجها لسنوات بسبب كلمة عابرة، وتفشي أسرار بيتها وتنكر عشرة عمر كامل لا لشيء إلا لتنتصر لذاتها.
ولعل في طبيعة المرأة ما يفسر جانبًا من هذا المشهد، فالمرأة بطبيعتها مخلوق رقيق، خُلقت من ضلع أعوج كما وصفها الصادق المصدوق، ليس انتقاصًا لها بل وصفًا لتركيبتها العاطفية الرقيقة، وحين تشعر بالضعف أو التجاهل أو الظلم ولا تجد من يسمعها، فإنها قد تحوّل هذا الضعف إلى قوة هجومية، فتقاوم بسلاح اللسان والخصومة والمكابرة لتثبت أنها موجودة ومسموعة الصوت.
وكما يرى بعض الرجال في الاعتذار انتقاصًا لرجولته، ترى بعض النساء فيه كسرًا لأنوثتها، فيتمسك كلاهما برأيه ولو كان على باطل بيّن.
إن هذا السلوك سواء صدر من رجل أو امرأة ليس قوة شخصية كما يتوهم صاحبه، بل هو ضعف مركب وهشاشة نفسية عميقة، وجوع قديم للاعتراف وهروب من الاعتراف بالخطأ، فالذي لا يطيق أن يُهزم في نقاش صغير هو في الحقيقة يخاف أن تنكشف هشاشته الداخلية.
ما فعلته الحرب أنها لم تخلق هذه الشخصية من العدم، بل ألقت عليها الزيت وزادتها حدةً وانتشارًا، فالحرب لم تقتل بالأسلحة فقط ولم تهجّر البيوت فقط، بل ألقت بظلالها الثقيلة على النفوس، وكثير من المشاهد التي نراها اليوم من قطيعة وتشاحن بين الإخوة والأقارب ما هي إلا ظاهرة قديمة لكنها وجدت في ظروف الحرب بيئةً خصبةً لتتمدد.
فالضغوط النفسية الهائلة وضيق ذات اليد والقلق الدائم على المصير وفقدان الأمان والنزوح من بيت إلى بيت حول بعض مجتمعاتنا إلى “حِلل” ضغط مكتومة قابلة للانفجار في أي لحظة، فتأتي كلمة عابرة لتفجر خصومة سنة، وسوء فهم بسيط في قروب واتساب أُسري ليقطع رحمًا لسنوات.
ومن أخطر ما فاقمته الحرب في النفوس أنها جعلت كثيرًا من الناس عديمي الثقة، عديمي الثقة في وعود الآخرين وفي نواياهم حتى في أقرب الناس إليهم، فالرجل الذي كان كريمًا متسامحًا أصبح شكاكًا يفسر كل كلمة على أنها مؤامرة عليه، والمرأة التي كانت ودودة صارت ترى في كل نصيحة طعنًا، وفقدان الثقة هذا هو وقود الخصومة الفاجرة، فحين لا تثق في أخيك فإنك لا تسمعه.
ولذلك في دارجتنا تعبير صادق حين نقول عن أحدهم: “فلان ده أخير قَبُل، بعد النزوح ده جنّى كلو كلو – الجن الكلكي اللابس ملكي”، الجن ما إلّا الزول يكون ملهمنو القيد”، فلان كان هادئًا ومتزنًا قبل الحرب وبعد ما رأى من فقد ونهب وخوف ونزوح أصبح شخصًا آخر سريع الغضب شديد الخصومة لا يقبل كلمة، فالحرب لم تخلقه من جديد لكنها غيرته وضاعفت ما كان فيه.
وقد حذرنا نبينا الكريم حين جعل من علامات المنافق أنه إذا خاصم فجر، والفجور في الخصومة هو أن تنسى كل فضل عند أول خلاف وتنكر كل عشرة وتختلق العيوب وتفشي الأسرار وتقلب الحسنات إلى سيئات لا لشيء إلا لكي تظهر أنك المنتصر بنفسك الكاسرة.
إن الخلاف سنة الحياة أما الفجور فيه فهو سقوط أخلاقي كامل، واليوم ونحن نعيش إفرازات حرب قاسية فإن الفجور في الخصومة يصبح عبئًا مضاعفًا لأنه يزيد الجراح جرحًا.
إن علاج هذا لا يكون بالهروب من هؤلاء الأشخاص ولا بمجاملتهم خوفًا من ألسنتهم، بل بوعي جديد، نحتاج أن نربي أنفسنا وأبناءنا وبناتنا على التواضع المعرفي، على أن رأيي صواب يحتمل الخطأ وأن الاعتذار قوة وليس ضعفًا وأن كلمة أنا آسف تحفظ بيوتًا أكثر مما تحفظه كلمة أنا على حق.
ونحتاج أن نتعلم فقه الخلاف، أن نناقش الفكرة لا الشخص وأن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه، ونحتاج فوق ذلك كله أن ندرك أننا جميعًا نعيش ظرفًا قاسيًا وأن نحتوي بعضنا بدلًا من أن نجلد بعضنا، فالبيوت اليوم تحتاج إلى سعة صدر لا إلى سعة خصام، وتحتاج إلى كلمات مثل معليش وعفا الله عما سلف أكثر من حاجتها إلى إثبات من هو الأقوى.
كما نحتاج إلى قدر من الحزم، فالمجتمع مطالب ألّا يجامل شديد الخصومة رجلًا كان أو امرأة على حساب الحق، وأن يقول للمخطئ قف لقد تجاوزت، وأن ينصر المظلوم ولو كان ضعيفًا.
إن المجتمعات لا تُبنى بالخصومات والأسر لا تُحفظ بالفجور والنفوس لا ترتقي بالانتصار للذات، إنما تُبنى بالتسامح وتُحفظ بالمودة وترتقي بالاعتراف بالحق، فلننتصر للحق لا للنفس وللأسرة لا للذات وللوطن لا للهوى، فما أحوج السودان اليوم وهو يلملم جراح حربه إلى قلوب تتصافح وإلى رجال ونساء يعيدون بناء الثقة، لا إلى أيادٍ تتشابك خصامًا وألسنٍ تتبارى فجورًا.
ومع كل الود والتقدير
31 أكتوبر 2026
.
التعليقات مغلقة.