هنية عدلان تكتب “رسالة من سقيفة بني ساعدة إلى ساسة السودان… التداول السلمي للسلطة”
حينما أسلمت روح النبي صلى الله عليه وسلم إلى بارئها، ارتجّت المدينة ارتجاجًا حزنا علي النبي، وكاد الناس أن يختلفوا فيمن يتولى أمر الأمة بعده ولكن منذالوهلة الاولي وبروح اسلامية عااالية الفطنة والحكمه. تجمع المسلمون هناك، في سقيفة بني ساعدة، اجتمع الأنصار والمهاجرون، وكلٌّ منهم يرى لنفسه حقًا في قيادة الدولة الوليدة. كان الموقف عصيبًا، والقلوب تغلي، والأمة في لحظة فارقة.
لكن التاريخ يحدّثنا عن مشهد ناصع يندر أن يتكرر؛ إذ قدّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا بكر للخلافة قائلاً: “أنت أحق، أنت الصديق، وأنت الذي أمرك رسول الله أن تؤم الناس في الصلاة.” فردّ أبو بكر بتواضع قائلًا لعمر: “بل أنت أقوى مني.” فأجابه عمر: “قوتي مع حكمتك أصلح للأمة.” وهنا تجلّت أعظم صور التجرد؛ إذ تنازل كل واحد منهما للآخر، حتى استقرت البيعة لأبي بكر، لا بفرض ولا قهر، بل بإجماع المهاجرين والأنصار.
أما الأنصار ـ وهم أهل المدينة وأصحاب النصرة ـ فما علا عندهم صوت الأنا، ولم يتمسكوا بالحق التاريخي في ديارهم، بل قدّموا المصلحة العامة على مصلحتهم الخاصة، وبايعوا أبا بكر طائعين مختارين. فكانت تلك اللحظة أول صورة للتداول السلمي للسلطة في التاريخ الإسلامي، حيث اجتمع الجميع على رجل واحد، مقدّمين مصلحة الأمة على نزعاتهم وأهوائهم.
أما في وطني السودان، فالمشهد مغاير. ساسة يتشبثون بالكراسي، وأحزاب تتناحر، وحركات مسلحة لا تريد أن تتنازل، ولا أحد يقدّم مصلحة الوطن على مصلحته الخاصة. فكانت النتيجة حربًا ودمارًا وتشريدًا، وانزلاق السودان إلى هاوية اقتصادية وأخلاقية وأمنية.
أيها الساسة في السودان، أليس في تاريخكم الإسلامي عبرة؟ أليس لكم في سقيفة بني ساعدة قدوة؟ هناك حيث تنازل القوي للأصلح، وهناك حيث اجتمع المهاجرون والأنصار على رجل واحد، وهناك حيث قامت الدولة الإسلامية على مبدأ التجرد والنظر إلى المصلحة العامة.
فلماذا اليوم نرى الكرسي أغلى من الدم، والسلطة أثمن من الوطن؟
﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
التعليقات مغلقة.