هنيه عدلان تكتب ….الشراكات الذكية في الهمبتة العابرة للمدن والقارات

في الزمن القديم، كانت الهمبة نشاطاً فردياً بسيطاً؛ يكفي أن يمتطي الهمباتي جَمَلَه، ويخفي سيفه خلف كتفه، وينتظر قافلة شاردة على طريق رملي بلا معالم. كانت الأدوات محدودة، والطموحات محدودة، والهدف لا يتجاوز كيس تمر أو شوية قماش أو ناقة سمينة تائهة عن أهلها.

لكن ذلك كان زماناً…
والزمان لا يبقى على حال.

ومثلما تطورت الصناعات، وتمدّنت المدن، وتوسعت شبكات التجارة، تطورت الهمبة بدورها، بل قفزت قفزات هائلة من الصحراء إلى العواصم، ومن السيف إلى السيرفر، ومن انتظار قافلة تائهة إلى اقتناص فرص عابرة للقارات.

لم تعد الهمبة فعلاً بدائياً؛ أصبحت فكراً منظماً له مهندسون وخبراء ومحللون، وفرق تخطيط ومكاتب مكيفة تتقن إدارة “الاستحواذ” بمهارة عالية.
تحولت من “كمين في الوادي” إلى “صفقة على الطاولة”، ومن غارة على قافلة إلى “شراكة ذكية” تُدار عبر شبكات دولية وتطبيقات اجتماعات وفِرق قانونية خبيرة.

والأطرف — وربما الأخطر — أن المتشابهين في الفكر يجدون بعضهم البعض مهما فرّقتهم الحدود، فكأن بين أهل الهمبتة رابطة داخلية، كأن بينهم راداراً خفياً يجذب بعضهم لبعض. فيتحد همباتي الصحراء، بخبرته في الالتفاف والمراوغة، مع الهمباتي العصري الذي يحمل شهادة عليا في “هندسة التغوّل”.
وهكذا تتشكل شراكات لامعة… عابرة للمدن والقارات.

ومثلما تغيّرت أداة التنفيذ من سيف إلى خوارزمية، تغيّر الطموح أيضاً؛
فأبناء الأمس كانوا يحلمون بجمَل أو ناقة، أما أبناء اليوم فصاروا يحلمون بخرائط دول كاملة، يديرونها كما تُدار المزارع الصغيرة، بكبسة زر، وبحزمة برامج، وبشيء من الجرأة المغلفة بلغة العصر.

لقد أصبحت الهمبتة اليوم “مؤسسة محترمة” لها نماذج عمل، وخطط خمسية، وتقارير تقييم، وشعارات جذابة تصلح لطباعة بروشورات تعريفية.
ولو عاد همباتي الأمس لوجد أحفاده يعقدون اجتماعاتهم على طاولة زجاجية، يناقشون فيها “خطة الاستحواذ للعام المقبل” بكل ثقة وابتسامة مهنية.

وفي نهاية الأمر…
كلما تطوّر الزمان كبرت الطموحات.
ولذلك اتحد همباتي الصحراء — كمنفِّذٍ بارع — مع الهمباتي المتطور ذو الافق الواسع والطموح الاوسع، في رقعة مساحة أكبر.
فبعد أن كان العشم في الاستيلاء على دبوكه جمال…
أصبح العشم اليوم في الاستيلاء علي اوطان…والله المستعان

التعليقات مغلقة.