حين يكمم الاعتدال وتروج الفتنةالرباعية الرقمية في مواجهة الخطاب الوطني✍️ د. لؤي عبد المنعم
كثرت في عصرنا الرباعيات، من مركبات الدفع الرباعي، إلى التقنيات ذات الأبعاد المتعددة، وصولا إلى تحالفات غير معلنة تتقاطع مصالحها في الفضاء الرقمي. وما يعنيني هنا ليس الشكل، بل المضمون: رباعي رقمي ينشط في الوسائط الحديثة، توافقت أطرافه دون إعلان على طمس الحقيقة وتهميش الاعتدال.
في واقع متسارع في أدواته وتعبيراته ومتسع في منصاته الاجتماعية، كان من المفترض أن تكون الحقيقة أكثر حضورا، والاعتدال أكثر انتشارا، والشفافية أكثر تأثيرا. غير أن الواقع الرقمي المعاصر يكشف مفارقة مؤلمة هي ان الخطاب الوطني المتزن يقيد، بينما يفسح المجال لخطابات التحريض والتضليل والتهريج.
تتقاطع في هذا المشهد غرف مصالح داخلية وخارجية، أيديولوجية واقتصادية، وجماعات انتهازية تسللت عبر العقود إلى أكثر من تيار، وجمعتها مصلحة واحدة هي تغييب الحقيقة، لأن حضورها يربك مشاريعها ويسقط أقنعتها. وبرغم اختلاف مواقع هذه الأطراف، فإنها تشبه أرجل طاولة مربعة، قد تتباين في الاتجاه، لكنها تحمل سطحا واحدا لا يقل اختلالا.
من المستفيدون غير المنظورين من تكميم الحقيقة؟
ليس من قبيل المصادفة أن تقيد في الوصول حسابات تنشر خطابا وطنيا متزنا، بينما تنتشر بسهولة مقاطع التحريض والتضليل وصناعة الفتن. فهناك أطراف متعددة تستفيد من تغييب الحقيقة، من بينها قوى داخلية وخارجية تستثمر في الفوضى، لأن الحقيقة تربك حساباتها وتفقدها أدوات التلاعب. الى جانب شركات تقنية كبرى تغذي خوارزمياتها بالمحتوى المثير للانقسام، لأنه يحقق تفاعلا أعلى، وبالتالي أرباحا أكبر. وتيارات متطرفة تنمو في الظلال وتخشى النور، لأن الخطاب المعتدل يفكك سردياتها دون أن ينحدر إلى مستواها. فضلا عن لوبيات إعلامية عابرة للحدود تعيد إنتاج سرديات تخدم مصالح جيوسياسية بعينها، وتقصي الأصوات الوطنية المستقلة.
لماذا يستهدف الاعتدال؟
لأن الاعتدال لا يرضي المتطرفين على اختلاف مواقعهم، ولا يمكن توظيفه بسهولة في معارك الاستقطاب.
ولأنه يطالب بالمساءلة دون تحريض، ويمارس النقد دون تخريب، ويعيد تعريف القوة على أساس القيم لا على أساس الصخب.
الخطاب المعتدل لا يبيع الوهم ولا يغازل الغرائز، بل يخاطب العقول والضمائر. وهذا ما يجعله مزعجا لمن اعتادوا توجيه الجماهير عبر الخوف أو التهييج أو التزييف. ويتجلى ذلك في حملات منظمة تستهدف الرموز والمؤسسات الوطنية، عبر التشكيك المستمر والانتقاص الممنهج، بما يضعف الثقة العامة ويغذي الانقسام.
أليست الحقيقة ركيزة للسلم؟
إذا فهمت الحقيقة بوصفها التقاء بين الوقائع والشفافية والمسؤولية، فإنها لا تكون ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية.
فالشفافية ليست ضعفا، بل قوة أخلاقية ومعرفية، والاعتدال ليس حيادا سلبيا، بل موقفا إصلاحيا واعيا.. وفي عالم تتشابك فيه الأزمات، تصبح الحقيقة شرطا أساسيا للسلم لأنها:
- تزيل الالتباس وتقلل فرص الاستقطاب.
- تفكك عبر الشفافية، بيئات التطرف التي تنمو في الفراغات المعرفية.
- تعيد بخطابها المتزن، الثقة بين الشعوب ومؤسساتها، وتمنح المجتمعات مناعة ضد التلاعب.
رسالة شخصية لمتابعي الصفحة
رسالتي موجهة للذين يتفاعلون مع ما أكتب، وللذين يكتفون بالقراءة، وللذين يخشون فقدان امتيازاتهم الوظيفية والسياسية إن عبروا عن آرائهم. لقد لاحظت، بقدر من السخرية الهادئة، أن بعض المنصات الرقمية تقيد خطابي منذ سنوات، رغم أنني كنت ولا أزال كتابا مفتوحا. لم تكن الشفافية لدي خيارا تكتيكيا، بل مبدأ ثابتا، لأنها في نظري الوجه الآخر للحقيقة، والحقيقة هي أساس الإصلاح. لم أكن يوما تابعا لموجة، ولا مقلدا لتيار، بل مساهما بقدر ما أستطيع في صياغة مشروع وطني وحدوي، يؤمن بأن الخطاب الصادق ليس تعبيرا وجدانيا فحسب، بل وعي استراتيجي ونهج رسالي.
في نهاية المطاف، قد تقيد الحقيقة مؤقتا، لكن أثرها لا يحاصر. وقد يضيق على الاعتدال في الوسائط، لكنه يبني أثرا تراكميا في الوعي العام، ويمهد لتحولات أعمق في المستقبل.
فليكن خطابنا صادقا، شفافا، معتدلا، بعيدا عن ردود الأفعال، حتى لو تأخر انتشاره، لأنه حين يصل يحدث الفرق.
التعليقات مغلقة.