هنيه عدلان تكتب/(فلسفة السعي في الرزق مع ثبوت قدرية المكتوب)
ليس التناقض بين أن يكون الرزق مكتوبًا، وأن يُؤمر الإنسان بالسعي إليه، إلا تناقضًا ظاهريًا تراه العيون المحدودة، أما في ميزان الإيمان فالأمران متكاملان؛ لأن الله لم يكتب النتائج فقط، بل كتب الأسباب أيضًا.
فالذي كتب لك رزقك، هو ذاته الذي أمرك أن تمشي في الأرض طلبًا له.
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾
القرآن الكريم
فالرزق هنا من الله، لكن الحركة من العبد.
وكأن الحكمة الإلهية تقول:
“أنا ضمنت لك العطاء، لكنني لم أعفك من شرف المحاولة.”
إن الإيمان بالقَدَر لا يعني الاستسلام للكسل، بل يعني الطمأنينة أثناء السعي.
فالفرق شاسع بين من يسعى وهو يعبد الرزق، ومن يسعى وهو يعبد الله.
الأول يظن أن جهده يخلق النتائج،
أما المؤمن فيوقن أن جهده مجرد باب، وأن الفاتح الحقيقي للأبواب هو الله.
وقد قال النبي ﷺ:
«لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
سنن الترمذي
ولم يقل: “تبقى الطير في أعشاشها.”
فالطير خرجت، وسعت، وبحثت، ثم جاءها الرزق.
وهنا تتجلى أعظم فلسفة إيمانية في قضية الرزق:
أن الله أراد للإنسان أن يجمع بين “التوكل” و”الحركة”، بين “اليقين” و”الأخذ بالأسباب”.
وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
«يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم»
صحيح مسلم
فحتى مع ضمان الله للأرزاق، بقي الدعاء والسعي والطلب جزءًا من العبودية.
إن بعض الناس يريد رزقًا بلا تعب، كأنه يطلب ثمرة بلا شجرة، بينما السنن الإلهية قائمة على أن لكل شيء بابًا، ولكل رزق طريقًا، ولكل أمنية ثمنًا من الصبر والعمل.
ولو كان القدر حجة لترك العمل، لما أُمر الأنبياء أنفسهم بالسعي.
فـنوح صنع السفينة بيده،
وموسى سار في الصحراء جائعًا خائفًا،
وكان محمد ﷺ يتاجر، ويخطط للهجرة، ويتخذ الدليل في الطريق، رغم أن الله قادر أن ينصره بلا سبب.
لكن الله أراد أن يعلم البشرية أن “الكرامة ليست في انتظار الرزق، بل في السعي الشريف إليه.”
إن القدر لا يمنع الحركة، بل يمنع القلق.
فالعبد يسعى بعقله، لكن قلبه يبقى معلّقًا بالله، لا بالوظيفة، ولا بالتجارة، ولا بالبشر.
ولهذا كانت الطمأنينة الحقيقية ليست في كثرة المال، بل في اليقين بأن ما كتبه الله لك لن يأخذه غيرك، وما لم يكتبه لك فلن تناله بقوة الأرض كلها.
قال ﷺ:
«واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك»
سنن الترمذي
وهكذا يعيش المؤمن معادلة متوازنة:
يسعى كأن كل شيء متعلق بعمله،
ويتوكل كأن كل شيء متعلق بربه.
فلا يغتر إذا نجح،
ولا ينهار إذا تأخر رزقه،
لأنه يعلم أن الله لا يمنع إلا ليعطي في الوقت الذي يراه حكمة ورحمة.
التعليقات مغلقة.