تأملات… جمال عنقرة. يكتب عسجد .. تكشف عورات الدولة
لست مشغولا بما ينشغل به كثيرون ممن يتحدثون ويكتبون عن قضية عقد التحويلات المالية بين البنك المركزي وشركة عسجد، فكثيرون من هؤلاء انشغلوا بمسائل مهمة متعلقة بالقضية، والحدث، ولكنها قطعا ليست الأهم، فالأهم عندي الذي كشفته هذه الواقعة، هو غياب المرجعية، والجماعية، والمؤسسية، وعدم وجود منهج واضح لكيفية إدارة الدولة، وليست قضية عسجد هي القضية الوحيدة التي تكشف هذه العورات الفضيحة، التي يجب ألا توجد في دولة تحترم نفسها، وهذا ما يبرر وصف كثيرين لما يجري في بلدنا من أحداث، بأنه غياب للدولة، فالدولة ليست مجرد أشخاص ووظائف ولكنها قبل كل شئ، مؤسسات، وسياسات، ومنهج معلوم.
ولست في حاجة إلى حصر وتعداد الوقائع التي تؤكد غياب المؤسسية، والمنهجية، في سياسات وقرارات الحكومة في السودان، ولا يزال الناس يتحدثون عن مسألة تعيين السفير إدريس محمد عبد الله وكيلا لوزارة الخارجية، ثم إلغاء التعيين بعد ساعات من إعلانه، وما أكثرها القرارات المتعارضة والمتضاربة في وزارة الخارجية وحدها، ومنها ما يتعلق بافالة الوزير علي يوسف، ثم تعيين واقالة واستقالة الوزير عمر صديق، ثم اقالة الوكيل حسين الأمين، ويحضرني في هذه اللحظة سؤال عارض، هل تم تخصيص مكتب وسيارة وراتب للمستشار مصلح نصار، أم لا يزال أمره معلقا، والناس يتساءلون عن ما حدث في موضوع جسر الحلفايا، وانا شخصيا أسأل وأتساءل عن رد الحكومة علي العرض المصري لصيانة ثلاثة جسور مهمة منها الحلفايا وشمبات، علي أن تسدد الحكومة قيمتها لاحقا من المنتجات السودانية التي تحتاجها مصر.
هذا الاضطراب له أسباب كثيرة، وسببه الأكبر غياب المرجعية السياسية، والفكرية للمجموعة الحاكمة، العسكرية والمدنية، فعلي الرغم من أن الشعب السوداني كله تقريبا يقف مع القوات المسلحة في معركةالكرامة، الا أن قيادة القوات المسلحة وقيادة الدولة لم تسع إلى الاستفادة من هذا الاحتشاد لبناء تيار وطني قوي شعبي وسياسي يحتضن حكومة الكرامة، بل ظلت تبتعد عن الذين يقفون معها، ويشكلون لها سندا حقيقيا، ويقرب شخصيات بلا طعم ولا لون ولا قيمة، واخيرا زادوا الطين بلة بتخوين، وتخذيل الذين وقفوا مع القوات المسلحة في عز المعركة، وصاروا يقربون الذين كانوا يحاربون الجيش والشعب، ولم يعودوا الا بعد أن انكسرت شوكتهم.
ثم أن مؤسسات الدولة الموجودة، والمفروض فيها قيادة الدولة، فهي لا تعمل كمؤسسات، فليست هناك اجتماعات راتبة لمجلس الوزراء، ولا مجلس السيادة، ولا داعي للحديث عن اجتماع المجلسين الذي يمثل السلطة التشريعية في هذه المرحلة.
ويحمد لواقعة عسجد انها كشفت عن هذه العيوب الأساسية في بنية الدولة، وأرجو أن يكون ذلك دافعا لستر هذه العورات القبيحة، وأتمني ألا ينشغل من بيدهم الأمر بمعالجة البثور، وترك الجروح العميقة التي لا يمكن أن ينصلح حال بلدنا بدون علاجها علاجا جذريا.
التعليقات مغلقة.