بين خطاب الكراهية ومسؤولية الدولة.. من يحاول تخريب العلاقات المصرية السودانية؟بقلم: خالد محمد علي

ما يجري اليوم على منصات التواصل الاجتماعي بين بعض المصريين والسودانيين لم يعد مجرد تراشقات عابرة أو انفعالات موسمية، بل تحول إلى حملات متكررة تتجدد مع كل مناسبة، وتستغل أي خطأ أو حادثة لإشعال موجة جديدة من الكراهية والعداء بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.

وللأسف، لا بد أن نعترف بأن النخبة المصرية والسودانية، سواء كانت إعلامية أو سياسية أو ثقافية، بل وحتى المؤسسات الرسمية في البلدين، تقف عاجزة في كل مرة أمام هذه الحملات. نكتب ونحلل وندعو إلى التهدئة، ثم تعود الأزمة من جديد بصورة أكثر تنظيماً واتساعاً، وكأن الطرف الذي يديرها يطور أدواته بينما نظل نحن نكرر الأساليب نفسها.

وأي متابع محترف للإعلام أو لوسائل التواصل الاجتماعي يدرك أن ما يحدث لم يعد عفوياً. فالحملات باتت منظمة، وتتحرك وفق آليات واضحة، وتستثمر كل حدث لإشعال الفتنة، حتى أصبحت تستهدف بصورة مباشرة تغيير الصورة الذهنية للمصريين عن السودانيين، والعكس أيضاً، بعد عقود طويلة كانت العلاقة بين الشعبين نموذجاً للأخوة والتداخل الإنساني والاجتماعي.

والحقيقة التي يجب ألا تغيب عن الأذهان أن غالبية المصريين والسودانيين ما زالوا يؤمنون بأنهم شعبان تجمعهما روابط استثنائية، وأن ما يجمعهما أكبر كثيراً مما يفرقهما. لكن هذه القناعة الراسخة لدى الأغلبية الواعية تتعرض يومياً لمحاولات ممنهجة تستهدف تقويضها وإحلال مشاعر الشك والعداء محلها.

ومن واقع متابعتي للشأن السوداني لأكثر من ثلاثين عاماً، لم يعد لدي شك في أن هناك أطرافاً تعمل بصورة منظمة على استهداف العلاقات المصرية السودانية. وفي مقدمة هذه الأطراف قوات الدعم السريع، التي ترى أن إفساد العلاقة بين القاهرة والخرطوم يمثل مكسباً سياسياً وعسكرياً، بعدما فشلت في تحقيق أهدافها على الأرض. كما يأتي تحالف “صمود”، الذي يعتبر أن الموقف المصري يمثل عقبة أمام مشروعه السياسي، ومن ثم فإن ضرب الثقة بين مصر والسودان يصبح جزءاً من معركته السياسية. ولا يمكن أيضاً إغفال دور إثيوبيا، التي تجد في أي توتر بين الشعبين فرصة تخدم مصالحها في ظل الخلافات الإستراتيجية القائمة مع مصر.

وفي المقابل، فإن ما يصدر من إساءات من بعض المصريين يظل محصوراً في مجموعات شعبوية محدودة، لا تعبر عن الدولة المصرية ولا عن غالبية المجتمع، وتتحرك في الأغلب بدافع الانفعال أو البحث عن الشهرة وإثارة الجدل. أما الحملات التي تستهدف العلاقة المصرية السودانية من الجانب الآخر، فتبدو أكثر تنظيماً واستمرارية، وهو ما يفسر قدرتها على التجدد مع كل مناسبة.

وخلال أكثر من ثلاثين عاماً من متابعة الملف السوداني، لم أشهد هذا المستوى من محاولات تسميم العلاقات بين الشعبين كما يحدث الآن. والأخطر أن آثار هذه الحملات لم تعد حبيسة الفضاء الإلكتروني، بل بدأت تنعكس على أرض الواقع في صورة احتكاكات وتصرفات فردية لم تكن مألوفة في تاريخ العلاقات المصرية السودانية.

ودائماً يظل السؤال الأهم: من المستفيد؟ فمن يريد إقناع المصري بأن السوداني عدوه، أو إقناع السوداني بأن المصري خصمه، لا يستهدف مجرد إثارة الجدل على مواقع التواصل، بل يسعى إلى ضرب واحدة من أعمق العلاقات في المنطقة، وإضعاف أي تعاون سياسي أو اقتصادي أو أمني بين البلدين.

ومن هنا، فإن المسؤولية لم تعد مسؤولية الإعلام وحده، بل مسؤولية الحكومتين أيضاً. وأرى أن هناك تقاعساً غير مبرر في التعامل مع هذه الحملات، رغم أنها أصبحت تمثل تهديداً حقيقياً للأمن المجتمعي والعلاقات الإستراتيجية بين البلدين.

لقد آن الأوان لأن يكون هناك تحرك مشترك بين القاهرة والخرطوم، يضم المؤسسات الإعلامية والثقافية والأمنية والتشريعية، لوضع استراتيجية واضحة لمواجهة خطاب الكراهية، وملاحقة الحملات المنظمة، وسن تشريعات تجرّم التحريض والإساءة المتعمدة التي تستهدف العلاقات المصرية السودانية، إلى جانب إطلاق مبادرات إعلامية وثقافية تعيد الاعتبار لما يجمع الشعبين من تاريخ ووحدة مصير.

لقد فشل خصوم السودان في تحقيق كثير من أهدافهم على الأرض، ولا سيما بعد النجاحات الأخيرة التي حققها الجيش السوداني في إقليم النيل الأزرق وغرب دارفور، ولذلك باتت معركة التأثير على الوعي، وإشعال الفتنة بين الشعبين، أحد البدائل التي يعولون عليها. ومن هنا تصبح حماية العلاقات المصرية السودانية مسؤولية وطنية لا تقل أهمية عن حماية الحدود أو المصالح الإستراتيجية.

فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عابر، وإنما علاقة شعبين كتبا تاريخاً واحداً، وتقاسما مصيراً واحداً، ولن تنجح حملات الكراهية، مهما بلغت درجة تنظيمها، في محو هذه الحقيقة، إذا امتلك العقلاء في البلدين الإرادة الكافية للدفاع عنها.

التعليقات مغلقة.