عايدة سعد تكتب.. “هدنة بولس” عندما تتقدم البندقية يأتي السلام!!

لم تكن الهدنة الأخيرة التي طرحها المبعوث الأمريكي مسعد بولس مجرد ورقة أخرى على طاولة التفاوض، في نظر كثير من السودانيين، بل جاءت في توقيت شديد الحساسية: ميدان يتحرك، وموازين تتغير، وضغوط دولية تتصاعد لإيقاف الحرب قبل أن تصل القوات المسلحة إلى مناطق جديدة في غرب البلاد.

واشنطن تقول إن الحديث عن هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً هدفه فتح الطريق أمام المساعدات وحماية المدنيين، وهذا هو المعلن رسمياً. لكن السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه: لماذا تأتي الهدنة دائماً عندما يبدأ ميزان الميدان في التحول؟

ثلاث سنوات من الحرب جعلت السودانيين أكثر حذراً تجاه كلمة “هدنة”، فقد شهدت البلاد مبادرات واتفاقات سابقة لم تصمد طويلاً، فيما ظل الخلاف الجوهري يدور حول وجود مليشيا الدعم السريع داخل المدن، وانسحابها، ومن يضمن تنفيذ أي اتفاق على الأرض.

وهنا تحديداً تكمن العقدة، فإذا كانت الهدنة إنسانية فعلاً، فليكن أول اختبار لها هو: هل تستطيع المساعدات الوصول إلى المدنيين من دون أن تتحول إلى شريان عسكري؟ وهل توجد آليات حقيقية تمنع استغلال وقف النار لإعادة التموضع وتجميع القوات؟

فالجيش ينظر إلى التجارب السابقة باعتبارها دليلاً على أن وقف النار من دون ترتيبات أمنية واضحة يمكن أن يمنح الطرف الآخر فرصة لإعادة ترتيب صفوفه. وفي المقابل، تضغط واشنطن باتجاه صيغة تربط الهدنة بالانسحابات التدريجية، بينما تصر الخرطوم على معالجة مسألة وجود الدعم السريع في المدن قبل الدخول في وقف أوسع للنار.

والأخطر من ذلك أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، هناك جناح سياسي يحاول أن يجد لنفسه مكاناً في المشهد القادم، وهناك أطراف إقليمية ودولية لها حساباتها، وهناك واقع ميداني يتغير كل يوم. لذلك فإن أي هدنة تُطرح الآن لا يمكن فصلها عن سؤال أكبر:هل المطلوب وقف الحرب فعلاً، أم وقف تقدم طرف فيها؟ لأن الفرق بين الاثنين كبير جداً.

إذا كان الهدف هو إنقاذ المدنيين، فالسؤال بسيط: افتحوا ممرات المساعدات، احموا المدنيين، امنعوا استخدام الغذاء والدواء كورقة حرب، وراقبوا التنفيذ على الأرض.

أما أن تتوقف المعارك بينما تبقى القوات في مواقعها، وتُفتح طرق الإمداد، ويُمنح طرف منهك فرصة لالتقاط أنفاسه وإعادة ترتيب أوراقه، فهذه ليست هدنة بالمعنى من الذي ينتظره السودانيون.

هذه استراحة محارب.

والسودانيون الذين دفعوا ثمن هذه الحرب من دمائهم وبيوتهم لن يقبلوا أن تتحول كلمة “إنسانية” إلى مظلة سياسية تعيد إنتاج الأزمة من جديد.

الجيش حين يرفض الهدنة لا ينبغي أن يُسأل فقط: لماذا رفضت؟ بل يجب أن يُسأل أصحاب المبادرات أيضاً:

ماذا سيحدث في اليوم التالي للهدنة؟

من ينسحب؟

من يبقى؟

من يسلّم سلاحه؟

من يضمن التنفيذ؟

ومن يمنع وصول السلاح والإمداد إلى الميدان؟

لأن المشكلة في السودان لم تعد في إعلان الهدنة، وإنما في ما تخفيه الهدنة وراءها.

والحرب لا تنتهي بتجميدها أياماً أو أسابيع، ولا تُحسم بالمفاوضات التي تتجاهل الواقع على الأرض.

إما هدنة تفتح الطريق لسلام حقيقي، أو هدنة تمنح المليشيا فرصة أخرى لالتقاط أنفاسها.

ونحن هذه المرة نريد أن نعرف، هل بولس يبحث عن طريق لإنهاء الحرب.. أم عن هدنة تمنع الجيش من إكمال طريقه؟

التعليقات مغلقة.