الوقود.. قرارات على الورق وطوابير في الشوارع… كتب: محمد عثمان الرضي
✦ حين يقف المواطن بالساعات أمام محطة الوقود بحثاً عن البنزين، فالأزمة لا تعود أزمة سلعة، بل تصبح اختباراً لهيبة الدولة وقدرتها على إدارة ملف استراتيجي. وما رأيته في محطات الوقود بشارع أفريقيا بالخرطوم يؤكد أن المسألة أكبر من ازدحام عابر؛ فهذا الشارع الذي يقع فيه مطار الخرطوم، والذي أقطن فيه وأسلكه يومياً، تحول إلى مشهد مفتوح لطوابير السيارات الباحثة عن الوقود.
✦ المفارقة أن أسعار الوقود ارتفعت، بينما لم يرافق ارتفاع السعر انتظامٌ مماثل في الإمداد. المواطن إذن يدفع مرتين: يدفع سعراً أعلى، ويدفع من وقته وأعصابه في طوابير طويلة. وهنا يجب أن تُطرح الأسئلة على الحكومة قبل غيرها: أين الخلل؟ ومن يراقب السوق؟ ومن يحاسب المقصر؟
✦ المشكلة الأساسية ليست غياب القرارات الحكومية، وإنما غياب المتابعة الجادة لتنفيذها. الحكومة أعلنت سياسات وإجراءات لضبط سوق المشتقات البترولية، بل أعلنت التوجه للدخول المباشر في الاستيراد، لكن المواطن لا يعيش بالقرارات؛ يعيش بما يصل فعلياً إلى المحطة.
✦ القرار الذي لا تلاحقه الحكومة بالتنفيذ والرقابة والمحاسبة يتحول إلى مجرد ورقة. المطلوب ليس أن تعلن الدولة ماذا قررت، وإنما أن تعرف يومياً: كم استوردنا؟ كم وصل؟ أين ذهب؟ ما السعر؟ ومن المسؤول إذا اختفت الكميات أو اختل التوزيع؟
✦ وهنا يجب وضع الشركات المستوردة أمام مسؤوليتها كاملة. من حق الشركات أن تعمل وتحقق أرباحاً، لكن ليس من حقها أن تتحول إلى صاحبة اليد العليا في سلعة تمس حياة ملايين السودانيين. وإذا كان السوق يحتاج إلى شركات خاصة، فهو يحتاج قبلها إلى دولة قوية تضع القواعد وتراقب الالتزام بها وتمنع الاحتكار والتلاعب.
✦ أما أن ترفع الشركات الأسعار، ثم تظهر الطوابير، ثم تبحث الحكومة عن تفسير للأزمة، فهذه ليست إدارة للسوق. الدولة لا يجوز أن تكون قوية عند إصدار التسعيرة وضعيفة عند مراقبة تنفيذها.
✦ وفي ظروف الحرب، يصبح الوقود ملف أمن اقتصادي لا ملفاً تجارياً عادياً؛ فهو مرتبط بالنقل والزراعة والمياه والغذاء والخدمات والإنتاج. وأي اضطراب فيه ينتقل فوراً إلى بقية الأسواق ويزيد أعباء المواطن.
✦ وإذا كانت هناك مخالفات أو احتكار أو تلاعب أو مضاربة، فالمطلوب تحقيق رسمي يكشف الحقائق ويحاسب المسؤولين، لا الاكتفاء بالحديث عن «أيادٍ خفية». المواطن لا يريد روايات؛ يريد وقوداً متوفراً بسعر واضح وعادل.
✦ الحكومة مطالبة اليوم بأن تراجع آلية إدارة الملف، لا أن تكتفي بإصدار بيانات جديدة. المطلوب غرفة متابعة حقيقية تربط الاستيراد بالتوزيع، والتوزيع بالمحطات، والمحطات بالمستهلك، مع رقابة يومية ومحاسبة فورية لأي خلل.
✦ لأن السؤال في النهاية بسيط: ما قيمة قرار حكومي لا يجد المواطن أثره في الشارع؟ إذا كانت الحكومة قد قررت، فعليها أن تنفذ وتتابع وتحاسب. وإذا عجزت عن ذلك، فإن ترك ملف الوقود رهينة للسوق والشركات يعني عملياً التخلي عن واحدة من أهم مسؤوليات الدولة.
✦ الوقود ليس جالون بنزين فقط؛ إنه شريان حياة في بلد يخوض حرباً. والطوابير التي نشاهدها اليوم ليست مجرد سيارات تنتظر دورها، وإنما إنذار للحكومة بأن إدارة الملفات الاستراتيجية بالقرارات وحدها لا تكفي. المطلوب دولة تتابع ما تقرر، وتفرض ما تتابع، وتحاسب من يخالف؛ وإلا ستظل القرارات حبيسة المكاتب، بينما يدفع المواطن الثمن في الشوارع.
التعليقات مغلقة.