حد القول… بقلم: حسن السر.. سورة الماعون.. والواقع السوداني
سورة الماعون من السور القصيرة التي تهز الضمير، سبع آيات فقط لكنها واحدة من سور القرآن التي تفضح التدين الشكلي.
سورة الماعون لا تتحدث عن كافر بعيد، بل عن مصلٍّ موجود بيننا، يصلي ولكنه يكذب بالدين بفعله، يقسو على اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، ويمنع الماعون.
قال تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ _ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ _ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ _ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ _ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ _ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ _ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ}.
والماعون في اللغة هو الشيء القليل الذي يُعان به، كالقدر والفأس والدلو والحبل والملعقة والمال القليل، وكل ما لا يضر بذله ولا يكلف صاحبه شيئاً. قال ابن عباس إن الماعون هو ما يتعاطاه الناس بينهم من الفأس والقدر والدلو، وقال آخرون إنه الزكاة، وقيل إنه المعروف كله. والمعنى العميق أن من يمنع الشيء اليسير الذي لا يخسر شيئاً ببذله، فهو أبخل البخلاء، وأقسى القلوب.
هنا تتجلى السورة كأنها نزلت اليوم في السودان. في زمن الحرب والنزوح والجوع، امتلأ السودان باليتامى الذين فقدوا آباءهم، وبالأرامل، وبالأسر التي نزحت من بيوتها لا تحمل إلا ثيابها. وفي المقابل انقسم الناس إلى فريقين كما في السورة تماماً. فريق يدعُّ اليتيم، وهم من يستغل حاجة النازحين، فيرفع الإيجارات، ويحتكر الدواء والغذاء، ويسرق الإغاثة، ويمنع الماعون عن جاره وهو قادر عليه، ويصور نفسه متديناً وهو يأكل أموال الناس. وفريق يحض على طعام المسكين، وهم أهل التكايا والمطابخ الجماعية والمبادرات الشعبية، الذين فتحوا بيوتهم وقلوبهم، وطبخوا من القليل، وقسموا اللقمة، وأطعموا من لا يعرفونهم. هؤلاء هم الذين فهموا الدين حقاً، لأن الدين ليس صلاة تُرائي بها الناس، بل رحمة تصل إلى بطن جائع ويتيم مكسور.
وأخطر ما في السورة أنها لم تقل ويل للكافرين، بل قالت فويل للمصلين. أي أن المصلي الذي يسهو عن صلاته، ويصلي رياءً ليراه الناس، ثم إذا خرج من المسجد منع الماعون، فهو أشد وعيداً. فالدين الذي لا يتحول إلى رحمة في السوق، وعدل في التوزيع، وإطعام في التكية، هو دين مكذوب عليه. كم من شخص اليوم يطيل السجود، ولكنه يمنع جاره من الماء أو من شحن الهاتف أو من قدرٍ يطبخ فيه؟ وكم من تاجر يتصدق أمام الكاميرات ثم يرفع الأسعار على النازحين؟ هذه هي الرياء والماعون في ثوب سوداني.
آخر القول
تضع لنا سورة الماعون ميزاناً بسيطاً لقياس إيماننا، ليس بعدد الركعات، ولا بطول اللحية، ولا بكثرة المنشورات الدينية، بل بسؤال واحد: هل دفعت اليتيم أم احتضنته؟ هل أطعمت المسكين أم منعته؟ هل بذلت الماعون أم حبسته؟ في السودان اليوم، الماعون ليس قدراً فقط، الماعون هو شربة ماء لنازح، ووجبة لتكية، ودواء لمريض، وسرير ليتيم، وكلمة طيبة لمكسور. ومن أراد أن يعرف هل هو من المكذبين بالدين أم من المؤمنين به، فلينظر إلى يده، هل هي ممدودة بالعطاء، أم مقبوضة بالمنع؟ فالدين الذي لا يُطعم لا يُنجي، والصلاة التي لا ترحم لا تُقبل.
كسرة
من أجمل القول:
قال ابن قتيبة – رحمه الله -:
افعل الخيرَ وليَقعْ حيثُ يقَع
فإنْ وقعَ في أهلِه فهم أهلُه
وإن وقعَ في غير أهلِه فأنتَ أهلُه
التعليقات مغلقة.