همس الحروف.. دخول البعد الروحي في هندسة الصراع الإسرائيلي ضد إيران✍️ د. الباقر عبد القيوم علي
☘️🌹☘️
همس الحروف
دخول البعد الروحي في هندسة الصراع الإسرائيلي ضد إيران
✍️ د. الباقر عبد القيوم علي
إنتشرت خلال الاسبوع المنصرم رواية لافتة ، تتبناها دوائر شعبوية ذات صوت عالي ، تقودها شخصية الحاخام بروخ روزنبلوم ، الذي استطاع عبر أسلوبه القصصي المؤثر أن يجذب شريحة واسعة من أتباعه وغيرهم ، ورسخ في أذهانهم قناعة جازمة لا تحتمل الشك . وتتمحور هذه السردية حول ادعاء محدد وصريح وهو معتقد قوي عند الإنجليين ، وهو أن السيد المسيح سينزل من السماء في أول خميس من شهر نيسان وفق التقويم العبري ، وهو ما يوافق الثاني من أبريل عام 2026 ، وأن ظهوره سيكون في منطقة مضيق هرمز ، حيث سيقود من هناك ما يُسمى بـجنود الحسم في معركة كبرى يُطلقون عليها المعركة الإلهية أو المقدسة ضد إيران .
هذه الرواية لا تُطرح بوصفها احتمالاً يمكن حدوثه ، أو تأويلاً بحمل وجهين ، أو تفسير لحلم لا أصل له في الواقع ، إذ يتم تقديمها بيقين صارم ، مدعوم بحملة إعلامية ، ودعائية واسعة النطاق داخل إسرائيل ، تضخم الحدث وتمنحه أبعاداً روحية كبرى ، وعلى الرغم من أن هذا الإدعاء لا يحظى بتبني رسمي من قبل الدولة ، إلا إن قوة هذه السردية لا تكمن في رسميتها ، وأنما في قدرتها على تهييج الوجدان الديني ، وإستثارة المخزون العقائدي لدى جمهور واسع في العالم الإنجيلي الذي لديه إعتقاد قطعي في هذه السردية ، التي تُحقق صدق نبوءات طال انتظارها .
وعند التمعن في خلفيات هذه السردية ، يمكن إستنباط دلالتين رئيسيتين منها ، وهما :
الدلالة الأولى تتمثل في ربط حدث غيبي بهذا الحجم الصخم بمسرح جغرافي بالغ الحساسية ، وهو مضيق هرمز الذي يُعتبر شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية ، فإغلاق هذا المضيق أو تعطيله يعني خنق الاقتصاد العالمي ، الشيء الذي سيدفع بالقوى الكبرى إلى حالة استنكار وتصعيد قصوى تجاه حرب بدأت بقرار سياسي ، لكنها سرعان ما إكتست بغطاء العقيدة ، حتى غدا بعدها الديني واضحاً للجميع .
ومن هنا يبدو أن هذه السردية قد تُوظف كغطاء روحي لتهيئة الرأي العام لتقبل أي تطور محتمل في مسار الحرب ، عبر تقديمه بوصفه ضرورة مقدسة ، تتجاوز الدوافع السياسية التقليدية ، إلا أن أخطر ما في هذا الطرح هو إمكانية إستخدامه لتبرير تصعيد غير مسبوق ، وهو محتمل الحدوث ، فقد يبلغ حد اللجوء إلى أسلحة محرمة (القنبلة النووية) ، تحت ذريعة أن ما يجري هو تنفيذ لإرادة إلهية ، يقودها المسيح بذات نفسه وفق هذا الادعاء .
أما الدلالة الثانية ، فتتصل بتأثير هذه السردية على الداخل الأمريكي ، خصوصاً في ظل وجود تيارات إنجيلية قوية ذات نفوذ سياسي وشعبي ومادي ، إذ يمكن لمثل هذا الخطاب أن يُستخدم لأجل دغدغة المشاعر لإستمالة الرأي العام الأمريكي من خلال تحفيز المشاعر الدينية لدى بعض الفئات المعارضة لهذه الحرب أو المترددة ، فعندما يتم تقديم هذا الصراع على أنه جزء من خطة إلهية محكمة ، من المؤكد سيتحول الموقف لديهم من خيار سياسي إلى واجب عقائدي ، وهو ما سيغير في قواعد اللعبة بالكامل .
ولكن هذه السردية ، رغم قوتها وإنتشارها ، تقف أمام اختبار حاسم يجب التوقف عنده بتريث لأنه يشكل إمتحان دقيق لمدى صدق العقيدة الإنجيلية ، فالجزم بموعد محدد وهو يوم الخميس الذي يوافق الثاني من إبريل لنزول السيد المسيح في موقع محدد وهو مضيق هرمز ، من أجل قيادتة للعمليات الحربية يضع هذه الرواية في مواجهة مباشرة مع الحقيقة ، فإذا مر هذا التاريخ الموعود دون أن يتحقق الحدث ، فإن ذلك سيمثل ضربة قوية في صميم المصداقية الروحية لأتباع التيار الإنجيلي ، وقد يؤدي إلى اهتزاز الثقة في الخطاب الديني بالنسبة للإنحيليون .
وهنا يكمن الامتحان الأصعب ، فهذا اليقين المطلق الذي منح هذه السردية قوتها ، هو ذاته ما يجعلها عرضة للسقوط المدوي إذا لم تتحقق ، فالرواية التي ربطها الحاخام بروخ بمواعيد دقيقة ، وبجغرافيا محددة ، وبهدف سماوي مُعلن ، ستتحول من يقين روحي إلى رهان زمني ، والماء يكذب الغطاس كما يقول المثل الشعبي ، فإما أن يتحقق فيثبت ، أو تنكشف زيفها فيتلاشى هذا الاعتقاد ، ويفقد أصحاب المعتقد الثقة في مثل هذه السرديات إلى الأبد .
وفي خضم هذه المعمعة ، يبقى السؤال المهم الذي يفرض نفسه : هل نحن أمام نبوءة حقيقية ، أم أن هناك توظيفاً ذكياً للعقيدة في خدمة هذا الصراع؟ ، وربما لا يملك أحد الإجابة القاطعة الآن ، لكن ما هو مؤكد أن الحقيقة دائماً كما جرت العادة ، لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي لتفرض نفسها ، ولا إلى حملات دعائية لتتحقق .
فموعدنا معهم يوم الخميس الثاني من أبريل ، يوم ينتظره العالم كما يوم الزينة في قصة موسى عليه السلام ، حين ألقى السحرة حبالهم وعصيهم فخيل للناس أنها ثعابين تسعى ، ثم ألقى موسى عصاه فابتلعت ما صنعوا ، فانكشفت الحقيقة وزال الوهم ، وآمن السحرة برب العالمين ، وكفروا بفرعون .
وكذلك فإن الزمن كفيل بكشف ما خفي ، والأيام القادمة ستحمل معها الإجابة التي ينتظرها الجميع ، إما تصديقاً لهذه السردية ، أو كفراً بيناً بها ، وبمن أتى بها ، وعندها سيتم طرح الأسئلة التي تعيد تشكيل العقيدة من جديد حول حدود الإيمان ، وخطورة إستغلاله في تصفية الحسابات .
نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين
التعليقات مغلقة.