هنية عدلان ✍️ التعليم عن بُعد في مرحلة التعليم القبل الجامعي

…بين الفعّالية التكنولوجية والاحتياج التربوي الإنساني في السنوات الأخيرة، ومع تسارع التحوّل الرقمي وظهور منصات التعليم الإلكتروني، طرح المجتمع التربوي سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للتعليم عن بُعد أن يحلَّ محل المدرسة التقليدية في مراحل ما قبل الجامعي؟السؤال لا يتعلق فقط بالكفاءة التعليمية أو القدرة على إيصال المحتوى، بل يمتد إلى جوهر التعليم نفسه: الجانب التربوي، الإجتماعي ، النفسي، والصحي الذي يوفره التفاعل الإنساني المباشر في المدرسة.أوّلًا: التعليم عن بُعد –

رؤية موضوعية

لا يمكن إنكار أن التعليم عن بُعد قد أثبت فعالية معينة في إيصال المعلومات وتقديم المعرفة، لا سيما في الظروف الاستثنائية مثل جائحة كورونا. العديد من الدراسات العلمية الحديثة تشير إلى أن التعليم الإلكتروني يمكن أن يحقق نتائج تحصيلية مشابهة أو حتى أفضل في بعض السياقات مقارنة مع التعليم التقليدي، خاصة عندما يكون مصممًا جيدًا ويستند إلى أساليب تفاعلية متقدمة. ولكن رغم هذا، تظهر نتائج الدراسات التحليلية والمنهجية أن التعلم الإلكتروني وحده لا يمكن أن يحقق أفضل النتائج في جميع المراحل التعليمية، وخصوصًا في مستويات التعليم ما قبل الجامعي. ففي المراحل الأولى من التعليم، تتأثر عملية التعلّم بعوامل نفسية واجتماعية لا يمكن فصلها عن بيئة الفصل المدرسي التقليدي. ثانيًا: الفروق بين التعليم عن بُعد والتقليدي1. التفاعل الاجتماعي والنفسي البيئة المدرسية ليست مكانًا لنقل المعلومات فحسب، بل هي فضاء اجتماعي تُبنى فيه العلاقات الإنسانية، يتعلم الطالب مهارات التواصل، العمل الجماعي، الانضباط، وإدارة الصراعات.الدراسات أظهرت أن التعليم عن بُعد يرتبط بزيادة الضغوط النفسية والاجتماعية لدى الطلاب، خاصة في المرحلتين الابتدائية والثانوية، بسبب نقص التواصل المباشر مع الأقران والمعلمين. هذا الجانب التربوي هو قلب المدرسة التقليدية: فهو لا يهدف فقط إلى التعليم، بل إلى تنشئة شخصية متكاملة قادر على التفاعل مع المجتمع بسلاسة وثقة.2. التحصيل الأكاديمي وسط الفصول الافتراضيةعلى الرغم من أن بعض الدراسات وجدت أن التعليم الرقمي يمكن أن يكون فعالًا أكاديميًا في مواد معينة، فإن المدارس التقليدية تظل الأكثر ثباتًا واستقرارًا في تحقيق التحصيل الأكاديمي عبر مراحل التعليم المبكرة والمتوسطة عند مقارنة بالإدراك والفهم العميق للمفاهيم، لا فقط حفظ المعلومات السطحية. حتى في الأبحاث الأكاديمية الموسّعة، لم تُثبت الدراسات بشكل قاطع أن التعليم عن بُعد يتفوق في جميع المواد الدراسية ولا في جميع المراحل العمرية، بل غالبًا ما يكون ذلك مشروطًا بوجود دعم تربوي وتكنولوجي قوي. 3. البنية التحتية والتحديات التقنيةمن أهم العوامل التي قيّدت التعليم عن بُعد في المرحلة ما قبل الجامعي هو الفجوة الرقمية: ضعف الاتصال بالإنترنت، عدم توفر الأجهزة اللازمة، وعدم ملاءمة بيئة المنزل للتعلم الحضوري كما في المدرسة.هذه العوامل ليست مجرد عقبات تقنية، بل هي عامل أساسي في تفاوت فرص التعلم بين الطلاب، مما يؤثر على العدالة التعليمية. ثالثًا: الجانب التربوي المفقودالاختلاف الجوهري لا يكمن فقط في طريقة إيصال المحتوى، بل في الهدف التربوي العام للمدرسة:تشكيل الشخصيةبناء القيم الأخلاقيةتنمية المهارات الاجتماعيةتعزيز الانضباط والمسؤوليةالمدرسة الحقيقية تمارس دورًا لا يمكن استبداله بالشاشات الرقمية؛ فهي بيئة حياة قبل أن تكون بيئة تعليم.التعليم عن بُعد لا يوفر مساحة كافية لهذه الأبعاد الإنسانية الحيوية.رابعًا: هل يمكن أن يكون بديلاً؟بحسب الأدلة والدراسات العلمية الحالية، الإجابة هي:لا يمكن اعتبار التعليم عن بُعد بديلاً كاملاً للتعليم ما قبل الجامعي التقليدي.يمكن أن يكون تكميليًا، داعمًا، أو مساعدًا في ظروف معينة، مثل الأزمات أو التعليم التخصصي المتقدم، لكنه ليس بديلًا شاملاً للمدرسة باعتبارها مؤسسة تربوية متكاملة.وفي عالم تكنولوجيا المعلومات وتنامي التعليم الإلكتروني، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس هل نستخدم التعليم عن بُعد؟ بل كيف نستخدمه ضمن منظومة تعليمية متوازنة؟، تدمج بين قوة التكنولوجيا وعمق العلاقات الإنسانية التي توفرها المدرسة التقليدية.المدرسة ليست مجرد مكان لتلقين المعلومات، بل هي مجتمع صغير يربّي الإنسان قبل أن يعلّمه.ولذلك، يظل التعليم الحضوري في مرحلتي ما قبل الجامعي قيمة أساسية لا يمكن التخلي عنها، بينما يأتي التعليم الرقمي كأداة قوية تُعزّز العملية التعليمية، لا كبديل يحلُّ محلها.

التعليقات مغلقة.